إعلانات

التواصل الاجتماعي

دعمك من أجل استمرارنا!

إعلانات

إعلانات

مفهوم الشخص في التراث الإسلامي (الجزء الثالث)

سبق أن أشرت إلى أن الثقافة الشعبوية والمعيارية اللاهوتية التي تنطوي عليها قد تقدم لها أن عرفت نجاحا سياسيا يجعل ما ندعوه الثقافة العالمة ومواقف العقل الفلسفي والعلمي عرضة للسخرية. هذا القلب لـ «القيم» الروحية والأخلاقية والفكرية من جهة، والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية من جهة أخرى، هو معطى من معطيات التاريخ الفكري، وبالتالي من شروط تكوين الفاعل منذ أن فرضت «المدنية والحضارة المادية» بالمعنى الذي يعطيه المؤرخ بروديل لهذه العبارة، سيادتها على العالم.

من الضروري تحديد المضامين الدقيقة والمكانة المعرفية للمعيارية اللاهوتي ذات التوظيف الشعبوي، حينئذ سيتضح الامتداد السوسيولوجي لمفهوم الثقافة الشعبوية كما أحاول أن أستعمله هنا.

أنطلق من برنامج غني بثته قناة التليفزيون القطرية «الجزيرة» تحت عنوان الشريعة والحياة, كان المدعو لحلقة (28/12/97) هو الأستاذ عدنان زرزور، صاحب عدة مؤلفات حول الفكر الإسلامي. وقد أعطى تعريفا مركزا لا يحيد عن المعنى المقبول عند المسلمين المعاصرين عن المكانة الكلامية للقرآن الكريم وعن طريق تفسير آياته بهدف تأصيل أفكار المؤمنين وسلوكاتهم في كلام الله، ولكن أيضا بهدف ضمان الصلاحية المعرفية لجميع الآيات أمام جميع أشكال المعرفة العالية والمستقبلة إلى يوم القيامة. إن القرآن، باعتباره آخر تجل للوحي، قد قسم الزمان التاريخي إلى ما قبل وما بعد، فبعد سنة 632 م أصبحت الوضعية الكلامية القانونية لجميع الأفعال البشرية تتحدد وفق حدود يعينها الله في الآيات التشريعية؛ أما الآيات الأخرى وهي أكثر عددا، والتي تتحدث عن خلق العالم وباقي المخلوقات هي آيات تعرض على التأمل الروحي للمؤمنين كي يتشربوا في وعيهم الفردي طبيعة الألوهية ودلالات أعمالها والمعاني الخالدة لأحكامها. من خلال هذا المنظور اللاهوتي يدل لفظ التراث، الذي يستعمل للدلالة على الموروث الثقافي الكلاسيكي الذي خلفه ما يدعوه المؤرخون حضارة الإسلام الكلاسيكية، يدل على ما يطلق عليه اللاهوت المسيحي التراث الحي، أي مجموع النصوص المقدسة -من قرآن وحديث- التي يصادق عليها الفقهاء القدماء وكذا جميع التفاسير التي اعتبرت صحيحة كل هذا يشكل المرجعية التي تستند إليها إنتاجات الفعالية البشرية في هاته الحياة الدنيا قصد تحدد مكانتها الكلامية والقانونية حسب الدرجات الخمس المعروفة للشريعة (الواجب، المحرم، المندوب والمباح والمكروه) هذا الخضوع للتاريخ البشري في هاته الحياة الدنيا لحكم الإله، رغم أنه ينطبق على أناس ارتقوا إلى مرتبة الأئمة (الشيعة)، أو إلى علماء (وصفوا بأنهم (أئمة المجتهدين من طرف أهل السنة)، فإنه سيفرض نفسه دون انقطاع إلى يوم القيامة.

تنطوي هاته الصيغة على تناسق داخلي لا شك فيه يرضى نوعا من العقل الذي لا ينفصل عما يدعوه الأنتربولوجيون المتخيل الاجتماعي. إن العقل الذي استند إليه خلال المسار اللاهوتي لا شأن كبير له بكل أشكال الاستدلال الذي تستند إليه علوم الإنسان والمجتمع؛ وهو يهتم على العكس من ذلك، بكل العمليات الاستدلالية التي يقتضيها جميع النصوص الرسمية والبحث في صحتها بهدف حصرها وإقفال باب الاجتهاد بصددها. وبمجرد أن يتم ذلك ويتحقق الانغلاق العقائدي، فإن هذا العقل ذاته يستعمل، صونا لهذا «الإيمان» ودفاعا عنه العدة المنهجية المتوفرة، وأساليب الانتقاء والتبني والرفض والإلغاء لكل الوقائع التي لحقت عملية الإغلاق أو سبقتها. حينئذ، فإن كل ما تدعوه علوم الإنسان والمجتمع تمثلات وصور تتمثل بها الذات الفردية أو الجماعية نفسها، سيبقى من قبيل المستحيل واللامفكر فيه. ها نحن نرى أن هذا اللامفكر فيه وما لم يخضع للتفكير يرسمان هنا خط حجب نفساني بين نظامين ذهنيين تحددهما ممارستان معرفيتان تمكنان من إعادة إنتاج إطارين متمايزين لتكون الشخص وتطوره.

لست أعلم إلى أي حد يشاطر الأستاذ زرزور هاته التحليلات التي تسعى إلى أن تثير القضايا التي تطرحها ممارستان معرفيتان متنافستان دون أن تؤكد على الإطلاق أفضلية إحداهما على الأخرى. فأنا أتحدث مرة بلغة العلوم الاجتماعية وأخرى بلغة العقل التقليدي كي أنقلهما إلى ممارسة معرفية ستتضح مشروعيتها ومردوديتها من خلال تطور هاته المواجهة. إن الموقف الوثوقي التقليدي لا يعطي الحق بالطريقة نفسها للخطابات المتنافسة؛ وهكذا فعند ما حاول ع. زرزور نفسه تقديم المعيارية اللاهوتية من خلال أداة التواصل القوية التي هي قناة التلفزيون، فإنه أغفل كل الجدالات التي أثيرت بين مختلف المدارس والفرق قبل تدوين النصوص الرسمية وإقامة تراث يستند إليه، كلاميا وعلميا، لتدعيم نظام الحقيقة الدينية كما يعمل عند ملايين المسلمين المنتشرين عبر العالم (وقد تدخل عدد من المستمعين في المناقشة انطلاقا من أوروبا). نتبين حينئذ البعد السوسيولوجي والوزن السياسي والحمولة التاريخية لما دعوته المعيارية اللاهوتية ذات التوظيف الشعبوي. ما هو الشكل الذي كان البرنامج التلفزيوني سيتخذه (وهذا يصدق على كثير من البرامج من نفس ذاك الذي قدمه ع. زرزور) لو كان إلى جانبه محاور يدافع عن المشروع الذي ما زال في مهده وأعني نقد العقل الإسلامي كما مارسته في كل كتاباتي انطلاقا من سنوات 1970؟ حينئذ سيطرح مشكل التواصل بين المنظومتين الذهنيتين والأنظمة المعرفية التي تستند إليها وتعيد إنتاجها. إذا تبين أن التواصل ممكن حتى مداه البعيد، فحينئذ فإن اللامفكر فيه وما لم يفكر فيه بعد سيفحصان على ضوء فضاء جديد من المفكر فيه، وسيأخذ العقل والخيال والمتخيل والذاكرة معاني جديدة وستدخل ضمنه منظومة سيكولوجية لتوليد نظام جديد للحقيقة. إلا أنني أسجل باستياء وحزن أنه لا وسائل الإعلام الغربية ولا تلك التي توجد في البلدان الإسلامي، ولا الجامعات ولا مؤسسات البحث تفكر في تنظيم أنشطة من شأنها أن تسارع بميلاد فاعل بشري جديد.

في انتظار أن يجد هذا الحلم تحقيقه ينبغي أن نفسر لماذا اتخذ الخطاب الإسلامي السائد مدى هذا الاتساع، ولماذا يجند هذا العدد الهائل من المناضلين المتحمسين. وسأكتفي هنا بحصر أكثر العوامل تحديدا من جملة العوامل الداخلية، أخص بالذكر النمو الديمغرافي الذي وسع، في مدة زمنية قصيرة، الأسس الاجتماعية لمتخيل اجتماعي تغذي في الوقت نفسه على خطاب قومي للتحرر من الاستعمار، وخطاب إسلامي لتأصيل «هوية» لم تكن لها النخب الوفاء اللازم، استعمال وسائل الإعلام والمدارس العمومية لأهداف التوجيه الإيديولوجي من طرف الدولة والأحزاب المناضلة التي لا تتوفر على ثقافة ديموقراطية؛ نهج سياسة تكريس التقليد الذي من شأنه أن يزيد من حدة القطيعة بين البناء الحديث للفاعل البشري وبين التنشئة القديمة؛ انفصام الساكنة الفلاحية وهجرتها نحو المدن حيث تتفكك الأعراف والتقاليد الثقافية كي تفسح المجال لميلاد متخيل اجتماعي شعبوي لا رابطة تشده إلى النخب في المدن ولا إلى ما يشهد على امتداد تراث إسلامي لا يأتمر إلا بحكم الله أي لا يخضع لأية سلطة أخرى كيفما كان نوعها. أضع هنا تمييزا عن «العلماء» الذين يستعملون وسائل الإعلام ويساهمون في سياسة تكريس التراث كما يؤثرون كبير التأثر على المتخيل الشعبوي، وبين المثقفين ورجال التعليم والباحثين والكتاب والفنانين الذين يسعون لنشر ثقافة حديثة يتفاعل فيها تراث إسلامي متجدد وحداثة تضع ذاتها موضع انتقاد. هذا الاتجاه الثاني لا يعرف بكل أسف انتشارا كبيرا لأن المعتنقين له مبعثرون هنا وهناك، وغالبا ما يدعون المجال فارغا للتفاعل الآلي بين العوامل آنفة الذكر.

أما العوامل الخارجية فتتلخص في الضغوط المستمرة للحداثة الاقتصادية والتكنولوجية التي تمارس على جميع المجتمعات التي لم يكن لها دور في مرحلة معينة من إنتاج الحداثة وبنائها في جميع «النخب» السياسية التي استولت على الحكم في هاته المجتمعات منذ سنوات 1950 قد أعطت الأولوية للتمكن من وسائل القوة (التنظيمات العسكرية، الشبكة الأمنية لمراقبة التراب الوطني، الصناعة التقليدية والأدوات التكنولوجية) على تنمية وسائل البحث عن المعنى. وإن الخلل الذي تولد عن نهج هاته السياسة سرعان ما تزايدت حدته عندما تسارعت وتيرة التحديث في جميع مجالات الإنتاج التاريخي للمجتمع. على هذا النحو فإن البحث التاريخي حول ماضي كل مجتمع هو في الوقت ذاته مهمة مستعجلة للحد من الاستخدامات الإيديولوجية وهو كذلك مسألة مهملة، وإن النتائج السلبية للتحديث المادي ما زالت تزكي أشكال الرفض الكلي للحداثة كمشروع لتحرير الوضعية البشرية، هذا بينما تتطلب الحاجيات المشروعة لقسم هائل من الساكنة نهج أحدث السبل في الإنتاج والتوزيع.

لا تعمل هذه العوامل الخارجية في انفصال عن العوامل الداخلية، وإن الجدل التاريخي لقوى الحداثة يحدث تأثيرا مضاعفا على تفاعل تلك العوامل فيما بينها.

لعلني أوضحت بما فيه الكفاية كيف أن الحدث القرآن والحدث الإسلامي والهوية الحدثية تتواجه وتتعارض ويلغي بعضها الآخر، ويشرطه ويحدد صراعاته من أجل البقاء أو الهيمنة؟ ولعلني أوضحت اللاتكافؤ الصارخ الذي يفصل بين دعاة المنافسة المفتوحة بين النموذج الإسلامي والنموذج الغربي للإنتاج التاريخ البشري خلال القرن الألف الثالثة؟ ويتبقى علينا أن نحدد مصادر الهوية الحدثية وتوجهاتها الحالية كي نفتح الطريق أمام تاريخ بشري يطبعه التآزر، وكي نضع حدا لأساليب الإلغاء المتبادل التي مازالت تعطي المشروعية للحروب الأهلية والعنف البنيوي ومنظومات الفروق الاجتماعي غير المتكافئة وعمليات الهيمنة تحت غطاء الضرورات التاريخية التي تفرضها العولمة.

إن الهوية الحدثية معطى تاريخي يتسم بالكثافة والوزن والشمولية سواء في تحديداته أو تطبيقاته كتلك التي اتسمت بها الهوية الدينية في مختلف تجلياتها. لذلك فإن هاتين الهويتين تدخلان في صراع من أجل قيادة الإنسان نحو مصيره «الحق». ولعل القارئ قد خمن أن موقفي إزاء هذه المنافسة القديمة التي اتسمت بالحروب والثورات الدامية، يتلخص في ثلاث كلمات، الاختراق والزحزحة والتجاوز لطالما وصفت النتائج المنهجية والإبستمولوجية لهاته العمليات المعرفية الثلاث إذا هي طبقت على تاريخ المجتمعات التي أثر عليها الحدث الإسلامي وأنا أحيل القارئ إلى الدراسة التي ظهرت في مجلة 1/1996 ARABICA. وأكتفي بأن أذكر أن اللاهوت المسيحي يرسم حركات ذات دلالة في اتجاه زحزحة وتجاوز القضايا والحلول التي خلفتها ممارسة عريقة للتراث الحي الذي اخترقت حدوده. يخطر ببالي على وجه الخصوص كتاب جديد للأب (J. Dupuy «نحو لاهوت مسيحي للتعددية الدينية»، منشورات   cerf1997) إن أهمية هذا التوجه الفكري أمام تحديات الهوية الحديثة، هو أنه يبين الإمكانيات والآفاق التي من شأن المواجهة، الإشكالية بين الهويتين أن تتمخض عنها. لا ينبغي أن ننسى أن العقل الأنواري قد حررنا مما كان يدعوه فولتر «الوحش الضاري» (العقل اللاهوتي الدوجماتي الوثوقي الذي جعلت منه مؤسسة الكنيسة سلطة على النفوس والأجسام)، إلا أنه كرس بالفعل ذاته اللجوء إلى العنف لفرض مشروعية سياسة جديدة. إن هذا الحدث التاريخي ليس بعيدا عن أشكال العنف الوحشية التي عرفها القرنان التاسع عشر والعشرون، ولا عما قلته سابقا عن العنف «الحديث». إن الاستعاضة عن الجهاز الرمزي الديني بالعنف الثوري للجهاز الرمزي السياسي قد قبر جانبا لا مفكرا فيه لعدة قضايا أنتروبولوجية وفلسفية وكبتها ورمى بها «في ظلمات القرون الوسطى» أي في الجهل. إن عودة الديني لا تعني الرجوع إلى «قيم» مصبوغة بالطبائع الأسطوري ورؤى توهيمية للإنسان الكامل، وإنما الانفتاح على فضاءات جديدة من المعقولية العلمية وطرق أكثر ضمانا لتحرير الوضعية البشرية.

أختتم هذا العرض الانتقادي مذكرا بإحدى السبل الجديدة التي لم يطرقها لا الفكر الديني ولا الفكر الحديث بما يكفي من الإحاطة والعمق، يتعلق الأمر بالروابط القوية والدائمة التي تربط قوى إنتاج كل وجود بشرى وهي ثلاثة: العنف والمقدس والحقيقة. لست أجهل إن ما لا يحصى من التأملات والخطب والتحليلات والبحوث قد خصصت لهذه الموضوعات عند كل الاتجاهات الفكرية، كما أعرف المساهمات الأنتربولوجية والتحليلية المعاصرة في هذا المجال، وقد اهتم روني جيرار بالعلاقة التي تربط العنف بالمقدس كما أولى اهتمامه للموقف الذي تقترحه المسيحية بهذا الصدد، إلا أن كل هذا لا يبدو كافيا. وقد سبق لي أن تعرضت في دراسة سابقة[4] إلى القضية التي أطلق عليها القديس أوغسطين «الحرب العادلة» وما يسميه القرآن الكريم جهادا، وهو مفهوم أخذه الغربيون عندما قاموا ضد العراق في حرب الخليج. لقد أثيرت خلال تاريخ الإنسانية كله الحرب العادلة والصراع المقدس للدفاع عن المصالح العليا «للحقيقة» التي توجد عرضة لهجوم «الأعداء» الخارجيين عنها: إنه الدفاع عن التراب المسيحي وعن دار الإسلام وعن الدولة الوطنية الرأسمالية الحديثة وعن الأراضي المستعمرة وعن المجالات الجيوسياسية للدول العظمى. ولقد قدمت تحليلا مطولا لنص محمد عبد السلام فرج المعنون الفرائض الغائبة، وبينت كيف أن مجهودات الكاتب لإحياء الدعوة إلى الجهاد داخل مجتمع يشكل المسلمون غالبيته، أي في مصر السادات، وبصفة عامة عند مجموع الأمة، يتعارض مع تعاليم التراث الإسلامي حول كرامة الشخص الإنساني للانتصار للوجه الحربي والعنيف للجهاد، إن هاته الدراسة، ككثير من مثيلاتها التي يعرفها قراء اللغة العربية، لم تحدث أي رد فعل ذي دلالة لدى المثقفين ولا لدى الرأي العام الإسلامي المتنور. أما الجمهور الغربي فإنه يفضل أن يدعم نظرته ويزكي متخيله الذي يعتبر الإسلام بطل حروب الفتوحات ضد المشركين. وهذا يعني أن مسألة الشخص الإنساني لا تحظى باللعناية اللازمة ولم تتبوأ مركز الصدارة ما إن يتعلق الأمر بمواجهة حقيقة الذات التي يواجه بها كل منافس الآخر، دون أن يعمل أي واحد منهما على الحفر فيما تعنيه حقيقة الذات. إن منطق الحرب كامن ثاو في المنطق المؤسس لحقيقة الذات. وإن الثقافة التي تسمح بالخروج من هذين المنطقين اللذين يحيلان إلى عملية بناء الذات البشرية نفسها، لم تتوفر بعد حتى في الأوساط التي اكتسحتها الهوية الحديثة.

أشعر أنه ينبغي أن نذهب بالتحليل أعمق من ذلك والحفر الأركيولوجي وراء الوعي الإسلامي الذي لم يستفيد بعد من مكتسبات الدراسات الوضعية الحديثة. لذا فإنني أعمل منذ سنوات في البحث حول موضوع طموح هو، العنف والمقدس والحقيقة من خلال سورة التوبة. إذ لا يمكننا أن نواصل التذكير بنزعات إنسانية تدعو إليه النصوص الدينية والفلسفية الكبرى ونشير للعنف كتجل عابر شاذ وعرضي عرفته المجتمعات القديمة تقوم به قطاعات غير مندمجة في مجتمعات متحضرة أو أفراد ضالون سرعان ما يستبعدون أو يتلقون العقوبات الضرورية من طرف الأخلاق المهيمنة أو القانون المتبع. إن العنف بعد محايث للوجود البشري. وعند كل شخص هناك توترات تزداد حدتها أو نقل بين دوافع العنف والنزوع نحو الخير والجمال والحق. وتذكرنا الآية (251/2) بهذين الوجهين للإنسان، لضبط نتائج العنف لجأ الإنسان دائما إلى ما لا نزال ندعوه مقدسا للإحالة إلى واقع جوهري متوفر على قوى فعالة، هذا في حين أن الأمر يتعلق بشعائر وطرق للتقديس حفظا بعض الكائنات والأماكن والفترات من تدنيس العنف وتجديفه، وهكذا تقام تضحيات لتوجيه آثار العنف نحو أصناف من الكائنات البشرية، ونحو أجزاء من الجسم البشري، ونحو حيوانات أو عناصر من الطبيعة. وهكذا نسجت روابط وظيفية ومفهومية بين العنف والمقدس والحقيقة: هذا ما تذكر به الآية (5/9) المذكورة أعلاه. وحدها قراءة أنتربولوجية لهاته القوى الثلاث تسمح بالكشف عن الآليات الخفية التي تؤثر على الوعي الجماعي للأمة أو للقومية فتتحكم في اندماج كل عضو. هاته الصورة الموضوعية للتفاعل المتبادل بين وقائع كانت تعاش حتى اليوم كقوى خارجية عن الإنسان، تسجل في الوقت ذاته انتقال الشخص إلى مرحلة جديدة من المعرفة وتحقيق الذات.

إن النضالات من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان والمرأة والطفل قد خيضت في كل البلدان الإسلامية وكل الأنظمة التي ما زال الإسلام والشريعة يشكلان فيها المرجعية الأساسية. إن الاكتمال الروحي والأخلاقي والثقافي للإنسان لا يمكن أن يتحقق إلا عن طريق نظام ديموقراطي وعن طريق دولة القانون وعن طريق مجتمع مدني معترف به كعنصر مشارك منه تستمد الدول سيادتها. وقد قامت الأدلة، منذ سنوات الخمسينات، على أن السير نحو بناء هاته المؤسسات مشروط أكثر فأكثر بالتشبع بثقافة الديموقراطية أكثر مما هو مشروط بالرخاء الاقتصادي الذي يظل عاملا فعالا إذا ما سير بالمساهمة الديموقراطية لجميع العناصر الاجتماعية الفعالية. وقد أوضحت الدور الحاسم الذي تلعبه الفرضيات الفلسفية التي تتحكم ضمنيا أو صراحة في كل فكر سياسي وقانوني وأخلاقي. لذا فأنا أؤكد أن لا وجود لأية ديموقراطية دون وجود جدالات مفتوحة وحرة وخصبة ونقدية داخل المجتمع. وهاته الجدالات لا يمكنها أن تتمكن من تحقيق الأهداف الإنسانية للديموقراطية إن هي لم تتبين السؤال الفلسفي. نعلم إلى أي حد يستبعد الموقف الوثوقي الهم الفلسفي، كما نعلم كذلك الضعف أو الغياب المطلق للتعليم الفلسفي داخل الأنظمة التربوية التي أقامتها الأنظمة التي جاءت بعد العهد الاستعماري. إذا أضفنا إلى ذلك الغياب المطلق لتعليم كلامي مبني على نقد للعقل الكلامي، فإننا سنتمكن من تكوين صورة واضحة عن البرنامج التربوي الذي ينبغي منه بأقصى ما يمكن من السرعة قصد توفير الشروط الثقافية والفكرية الحديثة لميلاد الشخص في الوسط الإسلامي وتطوره وتفتحه.

محمد أركون

بروفيسور في الفلسفة الإسلامية

هوامش

[4] انظر: كيف يعرض مفهوم الشخص في الفكر الإسلامي ضمن: Ouvertures sur l’Islam, 2ème ed., Paris 1992.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *