إعلانات

التواصل الاجتماعي

دعمك من أجل استمرارنا!

إعلانات

إعلانات

مفهوم الشخص في التراث الإسلامي (الجزء الثاني)

الحدث القرآني

يحمل لفظ القرآن شحنة كلامية كثيفة لا تجعله كفيلا بأن يكون مفهوما إجرائيا يستخدم من أجل مشروع نقدي وإعادة تحديد للتراث الإسلامي في مجموعه. عندما أتحدث عن الحدث القرآني على غرار الحديث عن الحدث البيولوجي أو الحدث التاريخي، فإنني أرمي من ذلك إلى استبعاد كل البناءات المذهبية، وكل التحديات الكلامية والفقهية والأدبية والخطابية والتفسيرية… التي تؤخذ عادة على أنها غير قابلة للنقاش منذ انتقالها من متن قرآني مفتوح إلى متن رسمي مغلق. وهو انتقال يصعب تحديد تاريخه بدقة، وليس بإمكاننا إلا الإشارة إلى بعض المراجع الكرونولوجية كتاريخ الطبري وتفسيره ورسالة الشافعي وصحيح البخاري ومسلم والكليني وابن بابويه وأبي جعفر الطوسي. كل هؤلاء المؤلفين قد خلفوا لنا مؤلفات تعد معلمات في التطور التاريخي البطيء لبناء الأصول الإسلامية التي عرفت جدالا كلاميا وتناحرا سياسيا. وسرعان ما أصبحت الصحاح بدورها متونا رسمية منغلقة على ذاتها تحتل المرتبة الثانية ضمن الأصول التي حددها الشافعي لبناء شريعة يوقن بتفاسيرها. ومن حيث إن هاته المؤلفات السنية والإمامية إبداعات جماعية، فإنها تعكس التطورات اللغوية والثقافية والسيكو-اجتماعية لوضع إيتوس إسلامي بالمعنى الأنتربولوجي لكلمة ethos كما حدده C.Geertz الذي ذكرناه في المقدمة. كما أنها تشهد على تبادل التفاعل بين تعاليم القرآن والمعطيات الأتنية الثقافية الخاصة بمختلف الأوساط التي دخلها الحدث القرآني. لم يحدث الإيتوس الإسلامي وهو في طريقه إلى التكوين التأثير نفسه على مختلف الجماعات التي تنتمي إلى مجموعة شاسعة الأطراف تمتد من إيران القديم إلى المناطق الآهلة بالبربر إلى الجزيرة العربية والمجال التركي الشاسع الخ. وحتى بعد أن تحددت المتون الرسمية وتوقف انفتاحها وأخذت تذيع كتابة ومشافهة فإن انتشار الإيتوس الإسلامي لم يعمم على الجماعات كلها امتدادا وعمقا، كما أنه لم يتحدد دوما وفقا للتعريف الأصولي النموذجي الذي حافظ عليه التراث المكتوب.

إن التحديد الأصولي النموذجي للشخص في «الإسلام» لا يأخذ بعين الاعتبار المقاربة التاريخية والاجتماعية ولا الإشكالية الأنتروبولوجية التي أشرت إليها منذ حين. والحال أن القرآن الكريم الذي تقرؤه أجيال المؤمنين كمتن رسمي مقدس لا يعمل لغويا وثقافيا وسيميولوجيا كما كان في مرحلة الوحي ولا كما غدا في المرحلة الثانية مصحفا مكتوبا مغلقا. تلك مراحل في تكوين الإيتوس الإسلامي. إذا أخذنا بعين الاعتبار كل هذه القواعد المنهجية، فإن كل محاولة لتحديد مفهوم الشخص في القرآن لا يمكن أن تؤدي إلا إلى بناء اشتقاقي لغوي لا يتبع لا قواعد القراءة البنيوية، ولا قواعد القراءة التطورية. والحال أن هذا ما قامت وما زالت تقوم به القراءة المؤمنة التي لا تخضع إلا إلى التمثلات التي يفرضها الإيمان. الأصولي، أي إلى ما يستلزمه حشر الذات في إطار هوية تحددها محتويات ذلك الإيمان ولكن إذا كانت القراءة المؤمنة تأخذ على هذا النحو أسبقيتها السوسيولوجية والسيكولوجية، فإنه لا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا كلفتها الفكرية والاجتماعية التاريخية من حيث إنها تبقى على عوامل استلاب الشخص وعلى شروط انفتاح ثقافة سكولائية وثوقية من شأنها أن تبقي على الجهل وتحفظه في جهاز مؤسس. هذا ما حصل في كثير من الأوساط الإسلامية ابتداء من القرن الخامس والسادس عشر. أؤكد بهذا الصدد على القلب الذي عرفته ظروف انفتاح الشخص في الأوساط الإسلامية. فالصورة الإنسية للأديب المنفتح على مختلف التيارات الفكرية بين القرنين التاسع والحادي عشر اختفت باختفاء الظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية التي جعلتها ممكنة؛[1] مثلما أن صورة المتصوف، في نفس الفترة التاريخية قد كانت تجمع ما بين تجربة شخصية غنية وبين تمكن من اللغة الشعرية والثقافية لصهرها في مؤلفات عظمى (أذكر على سبيل المثال المحاسبي 243هـ الذي يدل اسمه على العودة النقدية ومحاسبة النفس) لكنها سرعان ما تحولت ابتداء من القرن الثالث عشر إلى مجموعة من الدعاة الذين سينتشرون في المعمور لدعوة مجموعات تعتمد الحديث الشفوي فيلتف حولها إخوان سيشكلون فيما بعد زوايا يزداد تأثيرها أو يقل.سنرى فيما بعد ما إذا كان بإمكاننا الحديث عن تدهور أو عن أزمة تحول فيما يخص مكانة الشخص في مرحلة النضال التحرري والمعارضات الإسلامية للاستيلاء على السلطة.

لنتعرض الآن إلى التقديم السريع للطرق والأدوات الذهنية التي أدخلها الخطاب القرآني لتكوين انسان جديد يعارض أشد المعارضة الإنسان القديم، إنسان الجاهلية، المفهوم الجدالي الذي يذكرنا، في الشكل الذي يقدمه به القرآن جاهلية / علم-إسلام، بالمفهوم الأنتربولوجي للفكر المتوحش الذي يقابل الفكر المدجن. يستعمل القرآن ألفاظ النفس والروح والإنس والإنسان، كما يستعمل قاموسا غنيا يدل على الدور العقلي والفعالية الاستدلالية[2] كي يبني مفهوم الإنسان حسب منظوره. وسنتبين أن الجانب الروحي للإنسان وتحديده الأخلاقي السياسي في مستوى القرآن يشمل مضامين متجانسة، إن لم تكن متطابقة مع تلك التي نجدها في نص الإنجيل والتوراة. لذلك أدخلت مفهوم الخطاب النبوي الذي يستعمل في مرحلته الشفوية الأصلية الآليات اللغوية ذاتها. وهاته نماذج من الآيات التي غالبا ما يوردها المدافعون عن القراءة الكلامية لأنها تسمح باعتناق قيم حديثة توضع تحت سلطة كلام الله:

  • وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك (29/2).
  • ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض (249/2).
  • قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيئون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (135/2).
  • فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم. إن الله غفور رحيم (5/9).

بإمكاننا أن نعدد الأمثلة على هاته الآيات التي يتم فيها الحوار بين الله والإنسان، وبين الإنسان والله على جميع مستويات الخطاب وحول جميع موضوعات المعرفة والعمل. فالأوامر العشر لا تفتأ تتكرر بلا هوادة كي تنقذ الأنا من الظلمات والعنف والجاهلية وضغوط الجماعة بمن فيها الأبوان اللذان يرفضان الدخول في الميثاق الجديد «ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة (39/7).

إن هاته الآيات التي اقتبسنا بعضا منها على سبيل التمثيل لا يمكنها أن تدل على معانيها ما لم توضع ضمن الملابسات التي أوحيت فيها لأول مرة في مكة والمدينة. هاته القواعد التي تلزم المؤرخ لا يأخذها المؤمنون بطبيعة الحال بعين الاعتبار لأنهم لا يأبهون إلا بالقواعد التي تحدد سلوكهم مباشرة. فحسب ما تمليه الظروف وما تفرضه الجدالات ومستلزمات الحجاج يوردون بنفس درجة الاقتناع الآية (5/9) للدفاع عن الجهاد، كما يوردون الآيات الأخرى الأكثر مهادنة والمتجهة إلى تفتح الأبعاد الدنيوية للشخص. لقد كان للقرآن المعيش دوما السبق على القرآن المفسر والمعروف؛ إلا أن هذا الأخير ينبغي أن يحتفظ بالسبق كي نحد من مزالق الخيال الاجتماعي والديني، ونوقف من مد التوظيفات الإيديولوجية، هذا الصراع بين السبق والأفضلية يوجد في قلب تاريخ جميع النصوص المؤسسة، كما يوجد بالتالي في قلب تاريخ المعنى ومفعولاته التي تشرط على الدوام أفعال الشخص. ولكن، إذا استثنينا قراءة الفقهاء لكي يستخرجوا القواعد التي أصبحت تكون الشريعة الملزمة للجميع، فإن المفسرين لم يؤثروا كبير التأثير على الاعتقاد الشائع والإدراكات الفردية لمعاني القرآن الكريم، تلك الإدراكات التي ترتبط بالتشيعات والمطامح والضغوط التي يفرضها التعبير عن التمتع عبر المجموعة أكثر مما ترتبط بتفسيرات الفقهاء. إن الآيات المحفوظة عن ظهر قلب هي في متناول الجميع وهي تذكر تلقائيا دون اعتبار للسياق الأصلي إما لأداء الصلاة أو طلب المغفرة أو تأمل المطابقة العميقة بين وضعية معيشة وبين التعبير عنها كما يرد في كتاب الله جميلا كثيفا حقا. أما الشخص، بما هو ذات بشرية في مواجهة الوجود وتحولاته، فإنه يتشكل وينفتح على المستقبل أو هو يغرق في الاستلابات وذلك حسب مدى قربه من الخطاب القرآني في مجموعه (ملايين من المسلمين لا يعرفون اللغة العربية، وحتى الناطقون بالعربية منهم فإن أغلبهم لا يستطيع فهم اللغة العربية القديمة) وحسب التوظيف الذي يوظف به النصوص عندما يربطها بتقلبات الحياة اليومية.

نسجل هنا أهمية المفهوم الذي اقترحناه أعلاه وهو فهم الخطاب النبوي الذي يسمح بتطبيق هاته التحليلات على جميع الأشخاص الذين نشأوا في إطار الهوية التي يقيمها التقليد الطويل لتعاليم الأنبياء ابتداء من إبراهيم حتى محمد، ذلك التقليد الذي يعبر عن نفسه لغويا في الخطاب نفسه ذي البنية الميتية التي توظف الرموز الدينية ذاتها والانتظام الاستعاري نفسه لكي يجعل إنسان الميثاق يقف أمام الله الحي المتكلم الفاعل في التاريخ الدنيوي بغية إغناء علاقة الإنسان بالله وعلاقة الله بالإنسان. بفضل ما يتمتع به الخطاب النبوي من غنى، فإن الإنسان يرقى إلى مستوى الشخص بوقوفه أمام الله في الصلاة عند طلب المغفرة وتأمل آيات الخلق وتلك العناية التي تخص الإنسان من بين المخلوقات ليتلقى الأمانة باعتباره خلفا لله في الأرض. كل هذا يخلق وعيا بالذات في علاقة مع المطلق كمعيار أسمى وكمرجعية لكل التحولات التي يعرفها الشخص المخلوق. إن التحول الذي ستحمله الحداثة لهذا النمط من الوعي بالذات وتحقيقه، سيتمثل في الانتقال من الشخص الذي خلقه الله، والذي يرتبط به ارتباط عشق وتعلق بأوامره، إلى الشخص الفرد المواطن المرتبط بالدولة عن طريق تعاقد اجتماعي وقانوني.

من الحدث القرآني إلى الحدث الإسلامي وإلى «الهوية الحديثة»

ليس هناك تعاقب زماني بين هاته «الأحداث» التاريخية والثقافية الثلاثة، خصوصا إذا اعتبرنا أن الحداثة ليست قضية تحقيب لتاريخ الأفكار بقدر ما هي قضية موقف للعقل من السؤال: كيف تعرف الواقع معرفة مطابقة، وإن نحن بلغتنا هاته المعرفة، كيف نبلغها دون المساس بالوعي بالذات لأي متلق من المتلقين؟ لا يمكنني أن أتوقف هنا عند التحليلات والتدقيقات التاريخية التي يقتضيها هذا التحديد للحداثة، وأنا أحيل هنا إلى ما سبق أن قلته مطولا في كتابي نقد العقل الإسلامي. أن الحدث القرآني، والحدث الإسلامي، وبروز موقف حديث للعقل، كل هاته الأمور تتواجد في جميع مراحل تاريخ الفكر مؤثرة بعضها في بعض، بل ومتواجهة وفي علاقات توتر تحول مفعوله حسب الظروف والعصور. لتوضيح هاته العلاقات المتشعبة والمتطورة ربما وجبت كتابة تاريخ مقارنة لهذه المركبات الثلاثة التي تحدد الدلالات وأساليب العمل وتقرير مصير الشخص في السياق الإسلامي والمسيحي واليهودي والبوذي والهندوسي والحديث. وما زلنا بعيدين عن كتابة مثل هذا التاريخ ما دام المسار الفكري الأوروبي هو الذي يفرض تحقيبة لتاريخه ومقولاته وموضوعاته، وتقطيعه للواقع باستبداله بنماذج معرفية لا بديل عنها.

وفي إطار «الإسلام»، إن الجدل القائم بين الحدث القرآني والحدث الإسلامي ما زال لم يحدد بعد؛ وهو يفترض إعادة تحديد الحدث القرآني بعيدا عن التطورات الكلامية والفقهية والصوفية والأدبية والتأريخية التي تعود أساسا للحدث الإسلامي الذي لا يمكن فصله هو بدوره عن عمليات تملك القرآن الذي يقرأ كمصحف رسمي مغلق إرضاء للدولة الإسلامية وللأمة المؤولة التي تربط مصيرها الدنيوي وخلاصها الأبدي بما تدعوه كلام الله أو الوحي أو القرآن.

في مرحلة الحدث القرآني يخاطب الله الإنسان بلغة عربية. كشخص يتمتع بصفات لا يستطيع الإنسان أن يرقى إليها إلا عن طريق ما دعاه المتصوفة والفلاسفة «تألها»، وأعني العمل المتواصل بهدف التقرب من الكمال الذي يجسده الله والذي يظل هدى يهتدي الإنسان به عشقا لله وهذا هو المبتغى الأخلاقي والروحي والفكري للشخص البشري. لقد كان الخطاب النبوي المعين الذي لا ينضب الذي نهل منه القديسون وأولياء الله وعبيده واستقوا الاستعارات الحية والرموز الخصبة والأساطير المنظمة لتجربتهم الإلهية. وقد استمر هذا الخطاب فاقتحم المجتمعات والحضارات وقاوم التشجيعات السياسية التي لا تقوم على «الدين الحق» واستند أساسا على السعي المتواصل للتقرب من الآخر المطلق.

يستفيد الحدث الإسلامي من هذا البعد الذي يميز الحدث القرآني كفضاء تتخذ فيه جميع التشكلات المذهبية وجميع القواعد الفقهية والأخلاقية والثقافية طابعا قدسيا وروحيا وميتيا وإيديولوجيا. لا ينفصل الحدث الإسلامي، شأنه شأن الحدث المسيحي واليهودي والبوذي… عن ممارسة الحكم السياسي، بمعنى أن الدولة، بما اتخذته من أشكال تاريخية، تسعى إلى أن توجه لصالحها البعد الروحي المرتبط بالحدث القرآني، هذا بينما تظل أنماط حضور هذا الأخير في الحدث الإسلامي تقاوم كل ذوبان وانصهار كليين. في خضم هذا التوتر المستمر، وفي أشد لحظاته قوة، تندرج احتجاجات ومقاومات أكثر الشخصيات وعيا بعناصر المواجهة التي تزداد حدة مع ظهور مستلزمات «الهوية الحديثة» كما يحددها شارل تايلور (Charles Taylor (Sources of the Self. The making of Modern Identity, H. V.P. 1996).

ينبغي ربط التكون التاريخي لما ندعوه الشرع الإسلامي، خصوصا في جانبه الفقهي، بالحدث الإسلامي، أما الدور الذي يقوم به الحدث القرآني فيقتصر على أن يضفي على نصوص القواعد التي أصبحت شريعة طابعا قدسيا. ونحن نعلم اليوم أن تشكل المذاهب الفقهية قد استمر حتى القرن الرابع الهجري، وابتداء من القرن الثالث فرض إضفاء القدسية نفسه كضرورة دينية للحد من تشرب الأعراف والتقاليد المحلية. وإن كل المحاولات التي سعى عن طريقها الخطاب النبوي إلى نهج سبل تحرر قانوني للشخص لم تجد إلا تطبيقات جزئية عبر الأزمنة والأمكنة ما دامت تحالفات القرابة مازالت اليوم تثقل بكاهلها على محاولات بناء حديث للروابط الاجتماعية وظهور المجتمع المدني ودولة القانون والشخص -الفرد- المواطن كعوامل فعالة في السير التاريخي نحو الحداثة الفكرية والروحية والسياسية. سقت مثالا عن الكيفية التي يوظف بها الفقهاء أنفسهم الخطاب القرآني لحصار ما يرون أن من شأنه أن يهز أسس النظام العرفي الذي كان يضمن آليات التضامن الأسري والتآزر العشائري في الفضاءات العرفية والثقافية التي يمتد فيها حكم الدولة الإسلامية الناشئة.[3] بعد أن فرض ما دعوته المتن الرسمي المنغلق نفسه كرس التراث الإسلامي الأمر الواقع الذي فرضته التفاسير والمصادر التي اعتبرت أصولا. لهذا لا يمكننا اليوم أن نرجع القهقرى ولا أن نحرر الشخص من الأوضاع التي حددت في ما دعي قانون الأحوال الشخصية. وبالفعل، فإن هذا الأمر الواقع أمر لا رجعة فيه، وما زالت الشريعة بالنسبة لأعضاء الأمة ينظر إليها على أنها أحكام تفرعت عن الآيات القرآنية.

على ضوء هاته التفسيرات يمكننا أن نفهم على نحو جيد ضرورة استرجاع ما أجرؤ على تسميته المسؤولية الروحية كمقاومة من طرف الفكر البشري لعمليات العقل نفسه الذي يصارع اللامفكر فيه وما لم يفكر فيه بعد لكل وسط سوسيوثقافي وكل فترة تاريخية. لست أجهل أن مفهوم الروحي يتعذر إخضاعه للفكر العلمي الذي يرمي إلى التفسير الوضعي للوجود البشري. ولكن إيمانا مني بضرورة إعادة النظر التاريخية والاجتماعية والأنتربولوجية والفلسفية للبعد الروحي للشخصية الإنسانية فإنني اقترح مفهوم المسؤولية الروحية كمجال مفضل للبحث، بهدف استعادة هم فكري لم يعد يستثير لا الفكر الإسلامي ولا الفكر الحديث، وأعني الشخص كبعد أخلاقي. وأنا أحدد هذا المفهوم على النحو التالي: يعني تحمل المسؤولية الروحية هو أن يمكن الفكر البشري نفسه من كل الوسائل، وأن يتمكن من مقاومة كل ما من شأنه أن يجعله ضحية استلاب واستعباد أو أن يعطل إحدى قدراته قصد العمل ضد ما يجعل منه مركز كرامة الشخص الإنساني والمدافع عنها والعلامة عليها.

إن تطبيق هذا التعريف على مفهوم الشخص كما كرسه الفقه سيمكننا من الوقوف على حدود وضع نجده ذائعا في الفضاء الذهني الوسطوي حتى بزوع الحداثة القانونية التي ظهرت بفضل تقدم الفكر العلمي والدراسات الفلسفية حول الذات البشرية. في الشرع الإسلامي تقتصر مرتبة الشخص على المسلم السني الذكر الحر المكلف وفي متناول الطفل أو العبد أو غير المسلمين أن يرقوا مبدئيا إلى هذه المرتبة (عندما يبلغ الطفل سن التكليف وعندما يحرر العبد ويسلم غير المسلم)، أما المرأة، فحتى وإن كانت توعد بكرامة معنوية تعادل تلك التي يتمتع بها الرجل، إلا أنها ما زالت تحت القيود التي كانت تثقل كاهلها منذ الجاهلية. يشهد الواقع التاريخي على أن جميع الديانات حافظت على اللامفكر فيه وما لم يفكر فيه بعد فيما يتعلق بالمنزلة المعنوية والقانونية للشخص الإنساني، بل إنها كرست أوضاعا ما زالت حتى اليوم تغذي أشكالا من القهر والاستبعاد والتهميش والعنف والإدعاءات وهذا باسم دين ربطه ما يدعى بالتراث الحي بآليات ميكانيكية واستراتيجيات السلطة وكل إكراهات الإنتاج الخيالي للمجتمعات. إذا كانت الحداثة قد ألغت الاستعباد وفتحت فضاء المواطنة الذي لا محل فيه للتمايزات المرتبطة بالعقيدة، فإنها لم تكمل بعد المجهود البطيء لتحرير الوضعية النسائية وحماية حقوق الطفل.

فضلا عن ذلك فإن علماء الكلام الذين يدافعون عن الدين الحق (وهو مفهوم قرآني، إلا أننا نلفيه في الكتاب المقدس كما نجده في اللاهوت اليهودي والمسيحي وفي علم الكلام الإسلامي بل إننا نجده عند هيجل الذي حاول أن يعطيه مكانة فلسفية)، ما زالوا ينشرون تعاليمهم ويثقلون بوزنهم على الحدود التي تفصل المفكر فيه عن اللامفكر فيه فيما يتعلق بمنزلة الشخص. أما الفكر الفلسفي والعلمي فهو لا يسعى إلى أن يدخل في حقله النقدي المواقف المتشنجة للفكر الكلامي لمعرفة قيمتها وتحديد وظائفها الحالية، بقدر ما يرمي إلى فرض اختياراته وتبريرها. فحتى في أعرق المجتمعات قدما، ما زال التنافس مفتوحا بين نزعة إنسانية متمركزة حول الإله الذي يتوقف مصير الإنسان عليه في الحياة والدنيا والآخرة، وبين نزعة إنسانية تتمركز حول الإنسان. وفي إمكاننا أن نسجل أن النزعة الأولى تأخذ من الثانية أكثر مما تأخذ هاته من الأخرى؟ إلا أننا ينبغي أن نضيف أن الثانية تزداد بعدا عن المفهوم الكلاسيكي للنزعة الإنسانية بمقدار ما يسود مفهوم «العقل التليتيقنو علمي» (ج.دريدا) الذي يوجد وراء مسلسل العولمة، ويفرض نفسه على مختلف المراحل اللاهوتية والفلسفية للعقل. وهكذا تجد وضعية الشخص نفسها محل تنازع مرجعيات متعددة قديمة وتقليدية أو حديثة دون أن تسعفها العلوم الاجتماعية والأبحاث الجارية بالتوضيحات الضرورية.

وفي السياق الإسلامي المعاصر، فإن حل الأزمة التي تعرفها وضعية الشخص يطرح صعوبات أكثر حدة. إن قواعد التآخي والتضامن والتكافل واحترام حياة الأشخاص وممتلكاتهم، التي يوصى بها القرآن ويؤكدها التراث «تطبق» بكيفية مأساوية في السياق المعمم للعنف على الصعيد الوطني أو الدولي. أفضل الامتناع عن التعليق فيما يخص ظاهرة تطعن في جميع أشكال المشروعية قديمها وحديثها: يتعلق الأمر بالعنف والرعب الذي يقدم اليوم على أنه السبيل الوحيد الذي تجده جماعة معينة لاسترجاع «هويتها» التي قضت عليها جماعات أخرى أو سلطات مهيمنة. إن مختلف أشكال المحن التي فرضت زمان الوثوقية اللاهوتية تستعاد اليوم عن طريق ظاهرة العنف، وتعطى لها التبريرات ذاتها. في الحالتين كلتيهما نلاحظ أن التعارض بين التأويلات يقوم على التناقض نفسه: يقضى على أشخاص في أرواحهم البريئة دفاعا عن حقوق يدعيها أشخاص آخرون. لا أهمية كبرى هنا للحركات السياسية والتيارات الإيديولوجية والعشائر والانقسامات والشعارات والأسباب التي تؤدي إلى إلغاء جذري للشخص البشري؛ أمام ظاهرة في مثل هذا الثبات عبر التاريخ فإن اتخاذ أي موقف سياسي لا يقوم على التزام ديني وفلسفي وإيمان بضرورة الدفاع عن الشخص الإنساني من حيث إنه يجسد مصير الوضعية البشرية ذاتها، من شأنه أن يجعلنا نتقبل مبدأ الحرب كسبيل وحيد لإقامة المشروعية التي تضمن تحرر الشخص!

هاته المسارات وهاته الأطر التي يتم فيها إرساء دعائم الشخص البشري ما زالت تفرض نفسها في الأوساط الإسلامية من حيث إن احتضان الدولة للحدث القرآني تأكد منذ العشرين سنة الماضية تحت أسماء الإسلام والشريعة الإسلامية حسب تعبير المناضلين، وتحت أسماء الأصولية والنزعة الإسلامية والإسلام السياسي حسب تعبير المحللين السياسيين. هاهنا لا مجال للتمييز الذي وضعته بين الحدث القرآني والحدث الإسلامي، بل إن مصطلحات الإسلام والشريعة الإسلامية تتضمنان معيارية لاهوتية توظف لتوجيه الشعب وتأطير السلوكات الجماعية، وتأسيس الالتزامات السياسية والممارسات النضالية التي يراعى في تطبيقها الحرص نفسه الذي يراعى عند تطبيق الشعائر الدينية. وهكذا نكون أمام منظومة متكاملة فعالة من الناحية الاجتماعية والنفسية، لتكوين فاعل بشري يعتبر نفسه مسلما على النحو الصحيح، وحاملا لنداء الخلاص بالنسبة للبشرية جمعاء، ومسؤولا عن الفعل التاريخي الضروري للوقوف ضد قوى الشيطان التحديثية.

هاته هي الدعائم التي يستند إليها ما أطلقت عليه المعيارية اللاهوتية ذات التوظيف الشعبوي، هاته التسمية لا يمليها العقل الكلامي، ولا العقل الفلسفي أو العلمي الذي يدعي أنه المعيار المطلق، فلا يتعلق الأمر إلا بمحاولة وضع نمذجة للفاعلين الاجتماعيين والخطابات التي ينتجونها وسياسات الحقيقة التي يسعون إلى تكريسها وبلورتها في مؤسسات سياسية وقانونية واقتصادية.

محمد أركون

بروفيسور في الفلسفة الإسلامية

هوامش

[1] انظر: الوصف الذي أعطيناه للأدب الفلسفي خلال القرن الرابع الهجري في كتابنا:L’humanisme arabe au IV, 2ème éd. J.Vrin, Paris 1982

[2] حول الأهمية المؤسسة لهذه المصطلحات. انظر دراساتنا حول العجيب في القرآن، وهي موجودة في:Lectures du Coran, 2ème éd., Tunis, 1991

[3] انظر مقال: «من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي» ضمن Lectures du Coran (مرجع سابق الذكر).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *