إعلانات

التواصل الاجتماعي

دعمك من أجل استمرارنا!

إعلانات

إعلانات

مفهوم الشخص في التراث الإسلامي (الجزء الأول)

”In recent anthropological discussion, the moral (and aesthetic) aspects of a given culture, the evaluative elements, have commonly been summed up in the tern “ethos”, while the cognitive, existential aspects have been designated by the tern “world view”. A people’s ethos is the tone, character and quality of life, its moral and aesthetic style and mood; it is the underlying attitude towards themselves and their world that life reflects. Their world view… contains their most comprehensive ideas of order”.

Cl. Geertz

الإطار النظري

بإمكاننا أن نسلم بأن كل مجموعة بشرية وكل جماعة يتعينان على هذا النحو، يكونان عن أنفسهما رؤية لما ندعوه في المفهوم الحديث شخصا. هاته الرؤية تعبر عن نفسها ضمنيا في الاعتقادات والشعائر الجماعية والأعراف، أو صراحة في القواعد الأخلاقية والحكم والأساطير والنصوص الدينية والآداب العالمة. وفيما يتعلق بالمجتمعات التي لا تعرف الكتابة، وضع بيير بورديو مفهوم الحس العملي الذي يسمح بإبراز الطابع المعيش والمعنى العملي التجريبي اللامكتوب لـ”القيم” والمعايير و”الرأسمال الرمزي” وكل ما من شأنه أن يؤسس مكانة عضو من أعضاء المجموعة، ويضبط التكافل التلقائي الذي يربط جميع الأعضاء. إن الحس العملي المحدد على هذا النحو، لا يسمح ببروز شخص بعينه أو فرد مستقل ينفلت عن المجموعة أو يخرج عن الجماعة الدينية.

من المهم التذكير بهاته المعطيات لكي نطرح القضية الشائكة لمسألة الشخص في التراث الإسلامي. إن المجال التاريخي والجيوسياسي والأنتربولوجي الذي اعتمل فيه الحدث الإسلامي مجال شاسع متنوع معقد التحليل. وهو ما يزال، حتى يومنا هذا، يشمل شعوبا كثيرة أو مجموعات لا تعرف الكتابة، ترتبط بالتراث الشفوي أكثر مما ترتبط بالتراث المكتوب، كما تنشد بأنماط السلوك والمؤسسات والتكافلات التي تميز مرحلة الحس العملي وليس بتلك التي تحدد الدولة الوطنية الحديثة. علينا إذن أن نتساءل عن المواضع التي بإمكاننا أن ندرك فيها الانبثاق التاريخي، والتجليات القانونية والسياسية والثقافية للشخص؟ ما هي المنزلة التي تمكن من تبوؤها الشخص البشري بعد 15 قرنا من التجربة السياسية والممارسات القانونية والإنجازات المذهبية داخل ما سأحدده تحت اسم التراث الإسلامي؟

لماذا الحديث عن التراث الإسلامي بصيغة التعريف بدل الكلام عن الإسلام فحسب؟ وكيف نفحص هذا التراث بحيث يشمل فحصنا جميع التجليات التاريخية والاجتماعية بعيدا عن التحديدات الكلامية التي تواجه بين تراث أصولي تعترف به كل جماعة (أهل السنة والجماعة بالنسبة لأهل السنة، وأهل العصمة والعدالة بالنسبة للشيعة الإمامية) وبين مختلف البدع التي تعتبر ضالة محرفة. الإسلام هو الاسم العام الذي يطلق على مختلف المدارس الكلامية والفقهية والتفسيرية وعلى كل الشعوب التي تبنت هذا المذهب أو ذاك، على هذا النحو فإن الإسلام يتعدد بتعدد الأوساط الاجتماعية والثقافية واللغوية التي اقتسمت ذاكرة تاريخية طويلة، وعلى هذا النحو نتحدث عن إسلام أندونيسي وإسلام هندي وإسلام تركي وأزبيكي وسينغالي وإيراني الخ. وينبغي دراسة وجود الشخص وتطوره وحمايته أو قمعه داخل كل تراث محلي على حدة، مع الأخذ بعين الاعتبار بهيمنة التراث الإسلامي. إن التراث الإسلامي الذي يشترك فيه جميع المسلمين، مهما كانت مرجعيتهم اللغوية والثقافية والتاريخية، يشمل ثلاثة أصول كبرى: القرآن والأحاديث النبوية (التي يضيف إليها الشيعة تعاليم الأئمة 12 أو الـ 7 حسب الشيعة الاثني عشرية أو الإسماعيلية)، ثم الشريعة التي هي المظهر القانوني لأوامر الله والتي تبلورت بفضل اجتهاد الفقهاء. لقد تحددت هذه الأصول الثلاثة نظريا حسب الترتيب الذي قدمناها به خلال فترة تشكل الفكر الإسلامي (661هـ)، بعبارة أخرى فإن النصوص والتعاليم والمذاهب التي تندرج تحت هذا التراث المكتوب تنتمي جميعها إلى فترة من التاريخ العام للفكر يطلق عليها فترة وسيطية. سنعود فيها بعد إلى القضايا التي يطرحها تحقيب التاريخ العام للحضارات كذلك الذي فرضه التقليد التاريخي الأوروبي ابتداء من القرن السادس عشر. ولنكتف الآن بالقول إن بإمكاننا أن نتحدث عن التراث الإسلامي بصيغة التعريف لأنه سعى دوما لفرض سيادته متجاهلا، بل ولاغيا في بعض الأحيان الممكنة، التراثات المحلية السابقة عليه، لأنها تنتمي إلى ما ينعته القرآن الكريم بالجاهلية أي فترة الجهل بالديانة الصحيحة التي بعثها الله لنبيه خاتم المرسلين. إن هذا التعريف الكلامي للتراث الذي يقضي على غيره ويمحوه، يجهل بطبيعة الحال مفاهيم التقاليد والأعراف كما بلورتها الاثنوغرافيا والأنتربولوجيا الثقافية منذ القرن التاسع عشر. إن التوتر التقليدي بين التراث الكتابي كما هو عند علماء الكلام والفقهاء، وبين التقاليد المحلية يغتني اليوم بإعادات النظر التي بلورها التاريخ النقدي ومجموع العلوم الاجتماعية وأدخلتها في دراسة كل أشكال التراث الديني ابتداء من اليهودية والمسيحية اللتين لم تنفكا تواجهان تحديات الحداثة. كما أن صيغة التعريف التي أعطيناها للتراث تشير كذلك إلى المقاومات التي يبديها الفكر الإسلامي الحديث إزاء ما تمليه الحداثة باسم “دين حق” يرفض الأسئلة التي تطرحها عليه حتى التوترات التربوية لماضيه عندما كان ذلك الماضي يسمح بالتعدد المذهبي.

فلا التراث “السامي” ذو المسعى الكوني في نظر معتنقيه، ولا التقاليد المحلية التي تقلصت تحت التأثير المزدوج للدين “الأصولي” والحداثة المتوحشة، لا ذاك ولا هاته استفادت مما توفره الحداثة العقلانية النقدية (التي أضعها في مقابل الحداثة المتوحشة للدول ما بعد الاستعمارية التي تدعمها بنيات تقنية لا هدف سياسي لها، وطبقات تجارية لا مرمى اقتصادي لها. وهاته وتلك سجينة مجتمعات تعيش فوضى المعنى تحت رحمة قوى العولمة التي لا تقبل الضبط). وهكذا، فإن منزلة الشخص كما يحددها القرآن الكريم والسنة والشريعة لم تأخذ مؤخرا في الانفتاح على الأسئلة والجدالات التي قامت في أوروبا المسيحية منذ انبثقت في القرن السادس عشر عقلانية إنسية النزعة متفتحة على الثقافات القديمة اليونانية والرومانية ومنشغلة بتحقيق استقلالها الفلسفي أمام السيادة الدوغمائية للعقل اللاهوتي. وقد وجد هذا التطور امتداده مع عقل الأنوار وفلسفة حقوق الإنسان، وإقامة دولة الحق الديمقراطية المرتبطة بعقد متجدد مع مجتمع مدني هو مصدر السيادة السياسية. وهكذا ظهر الفرد المواطن المحمي سواء في علاقاته مع مواطنين آخرين أو في البناء الحر لشخصه الخاص كذات بشرية. ومن المسلم به أن الحريات القانونية التي تضمنها دولة الحق لا تتعارض مع الضغوط الاجتماعية والاقتصادية واللغوية التي تشرط نشأة كل ذات بشرية وتحدد تطورها.

تبنى الخطاب الإسلامي المعاصر قيم الحداثة ومواقفها عن طريق انتقاء اعتباطي لبعض الآيات القرآنية والأحاديث المنتزعة من سياقها التاريخي والثقافي خدمة لعمليات جدالية. وهذا ما يجعلني لا أسمح لنفسي بنهج هاته الطريقة لكي “أثبت” بعد آخرين، أن كل التطورات الحديثة للوضعية القانونية والسياسية والفلسفية التي عرفها الشخص في أوروبا قد وجدت واعترف بها داخل الأصول الثلاثة للتراث الإسلامي. صحيح أن الحالة الراهنة للأطر الاجتماعية للمعرفة داخل المجتمعات الإسلامية تردد صدى التمثلات الخيالية لإسلام “حق”، أكثر مما تعمل على النقد العلمي لجميع الخطابات الكلامية والإيديولوجية. ونحن نعلم المكانة والدور الذي لعبه الخطاب الذي تبنته حركات التحرر الوطنية منذ سنوات الخمسينات والذي أعيد ترديده وتضخيمه منذ الثمانينات من طرف الخطاب الأصولي. ومع ذلك فينبغي أن نسجل أن المسلمين ليسوا هم وحدهم الذي يمارسون هذا التلفيق الإيديولوجي للإبقاء على صلاحية التراث حيا أمام النموذج الذي تقدمه الحداثة التي تعنى بالشخص البشري نفسه. فنحن نلاحظ استباق كل المجموعات الدينية كي تفرض ماضيها الزمني، وفتوحاتها كوقائع حديثة مثل حرية الضمير والتسامح المرتبط بالحرية الدينية، وحرية التعبير وحرية الاشتراك في جماعات، وقدرة الشخص البشري على ممارسة استقلاله في تحقيق مصيره الروحي على وجه الخصوص. إن هذا الجدال كان منذ القديم بين الديانات التوحيدية الثلاث وبين العقل الفلسفي في صورته الإغريقية. وقد عرفه الإسلام خلال الفترة التي توافق القرون الوسطى الأوروبية في بداياتها. لكن ما يميزه عن المسيحية من جهة، وعن اليهودية بحدة أقل من جهة أخرى، هو أن العقل الفلسفي قد استبعد بعد القرن الثالث عشر الميلادي، بينما استمر في تأثيره وإنتاجه في أوروبا بفضل ارتباطه الدائم بالعقل العلمي والعقل السياسي لدولة الحق.

وقد أدى ذلك الارتباط إلى بعض المبالغات. وقد أخذ التاريخ المقارن للديانات والإيديولوجيات الحديثة يبين أن صفات في الاتجاه المعاكس قد وجدت فيما يتعلق بوضعية الشخص البشري: إن أفكار التآخي والمساواة والتفتح المعنوي والروحي للإنسان من حيث هو إرادة حرة، وبالتالي مسؤولة أخلاقيا فيما وراء الارتباطات الآلية والموالاة غير المشروعة، هي أفكار حاضرة في تعاليم ما ادعوه الخطاب النبوي الذي يضم التراث اليهودي والمسيحي والإسلامي معا. هذه الجوانب من تاريخ الشخص مدروسة نسبيا في اليهودية و المسيحية أكثر مما هي مدروسة في الإسلام الذي تطبق عليه بشكل متأخر الأسئلة والانفتاحات المتجددة التي تطرحها العلوم الاجتماعية. من الضروري إذن سد هاته الثغرة وتدارك التفاوت المفاهيمي ورفع سوء التفاهم الذي يتغذى على ثقافتين إيديولوجيتين تتبادلان الرؤية بين كيانين خياليين يدعيان “الإسلام” و”الغرب.”

لنحاول أن نحدد الطريق الذي من شأنه أن يقود اليوم إلى إعادة النظر الشاملة في قضية الشخص من منظور نزعة إنسانية تتجاوز التقاليد الفكرية السابقة على المشروع المعرفي الجديد الذي من شأنه أن يواكب العولمة، دون أن تلغيها أو تنقص من قيمتها. من اللازم بطبيعة الحال، استعراض مختلف السياقات الإسلامية المعاصرة كي نعين إلى أي حد هي تخدم أو تعيق تفتح شخصية مستقلة حرة في اختياراتها والتزاماتها مع مجتمعها مواكبة لتطورات العالم المعاصر. وهذا يعني أن سبل اندماج الشخص في المجتمع، والعلاقات المتبادلة بين الشخص والجماعة (الأسرة العشيرة، القرية، الحي، الأمة)، والمنزلة المنوطة بالشخص داخل التراث الإسلامي، إن كل هذا قد خضع لهزة لا مرد لها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية نضالات التحرر الوطني. هناك إذن ما هو سابق وما هو لاحق فيما يتعلق بتاريخ الشخص في السياقات الإسلامية، وذلك على المستوى المؤسسي والدلالي والسوسيولوجي والأنتربولوجي.

دراسة السابق تضعنا في منظور المدى الطويل الذي يبتدئ بظهور الحدث القرآني ويمتد حتى سنة 1940 تقريبا مع ما اتخذته من تنوعات ملموسة لكنه ظل يعرف استمرارا بنيويا ومعرفيا عميقا. أما اللاحق فإنه يرغمنا على العمل داخل المدى القصير حيث تعاقبت ثورات مفاجئة وانفصامات عنيفة وتفككات سريعة على مستوى كل القواعد العرفية والقانونية والدلالية والسيميولوجية والأنتروبولوجية التقليدية، وذلك دون سابق إنذار ودون تهيؤ ولا انتقال، في مدة وجيزة تتواجه فيها أنواع متباينة من الأزمنة. لن نتمثل الإسلام إذن تمثلا سكونيا لا يعرف التبدل كما تفعل كل التصورات الأصولية وكما لازالت بعض المقاربات الإسلامولوجية تنقله إلى اللغات الأوروبية مدعية وفاءها للروح العلمية.

إننا ننطلق من القرآن لا بحثا عما يوافق تصوراتنا الحديثة عن الشخص، وإنما تمييزا للمنزلة المعرفية للخطاب النبوي عن الاعتبارات المعيارية التي أدخلت لاحقا من طرف المذاهب الكلامية والفقهية والتطور الفكري والثقافي في الأوساط الحضرية. إن ظهور واتباع دولة أطلقت على نفسها دولة إسلامية (الخلافة الأموية، ثم العباسية). ساهما في تكوين ما أطلق عليه الحدث الإسلامي تمييزا له عن الحدث القرآني. هاته المصطلحات ترمي إلى أن تضع التصورات الموروثة من الفكر الإسلامي الكلاسيكي والمدرسي، والتي نقلتها الأبحاث الإسلامولوجية دون تفكيك انتقادي، في أزمة وتطرحها موضع سؤال. بما أننا نهدف إلى دراسة المشكل المركزي لمنزلة الشخص في الأوساط الإسلامية، فإن المهمة الأولى الملقاة على عاتقنا هي أن نعيد النظر، أو أن نطرح للمرة الأولى موضع تفكير، كل المسائل المتعلقة بالشخص والتي أهمل التفكير فيها أو اعتبرت من قبيل اللامفكر فيه. ومن المفارقة أن مجال غير المفكر فيه اتسع أكثر في مجال ما أطلقت عليه منذ قليل اللاحق، هذا في وقت تزايدت فيه تحديات الحداثة بل والعولمة، وهذا راجع إلى انتشار العنف المذهبي كنهج لإنتاج التاريخ في السياق الإسلامي.

محمد أركون

بروفيسور في الفلسفة الإسلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *