إعلانات

التواصل الاجتماعي

دعمك من أجل استمرارنا!

إعلانات

إعلانات

في الانتفاضات العربية: سوريا بين السيف والكلمة

تمهيد

استيقظت الجغرافية العربية على انتفاضات بشرية غير مسبوقة في تاريخ المنطقة تنذر بحدوث زلزال في خارطتها السياسية يحمل في داخله بذرة التغيير نحو مستقبل أفضل بقدر ما يعنيه من مخاطر وتحديات تتمثل في احتمال وقوع دمار سياسي اجتماعي شامل.

على السوريين عامة ونخبهم الفكرية بصورة خاصة إدراك أن الإمساك بالفرصة التاريخية الراهنة للانتقال بالدولة والمجتمع والإنسان من القدامة إلى الحداثة سوف لن يكون أمراً ممكناً دون الالتفات إلى ما يُحيط بهذه الفرصة من مخاطر وتحديات، فرموز التخلف العربي لن تتوقف عن إطلاق فتاويها وبياناتها من فضائيّاتها، ولا عن تواطئها مع أصحاب مقولة «نهاية التاريخ» الماضين في مساعيهم الحثيثة لطمس ما تبقى من ملامح حضارية للهوية السورية، كما أنها لن تتوقف عن تواطئها مع من ليس لديه من أبناء سوريا عقلًا يحترم العلم ولا يسخر من حقائقه ــ عقلًا قادرًا على صناعة المعرفة وإنتاج مشاريع سياسية تتجاوز التسمر السياسي الراهن وتسهم في بناء دولة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان.

نعتقد بأن السوريين سينزلون قريباً إلى الشوارع والساحات ليطالبوا بانسحاب بلدهم من الجامعة العربية إن استمرت هذه في سياساتها المثيرة للارتياب… هذه الجامعة التي تحولت إلى كهف تسكنه أرواح الماضي، وتنطلق منه «البيعات» لمغول القرن الحادي والعشرين كي يزحفوا على ما تبقى من حضارات في حوض المتوسط الشرقي: بلاد الرافدين السومرية مشيدة المدينة الأولى ومبدعة الكتابة في التاريخ ومصر النيل وموطن أول دولة مركزية في العالم.. سوريا إيبلا وأوغاريت ومهد الأبجدية.

من وعي الهوية إلى النهوض لبناء المستقبل

متى سينطلق السوريون إلى سفراء الغرب الرسمي وسفراء من بايعهم من أباطرة النفط لتسليمهم رسالة تقول:

نحن السوريين،
شأننا شأن أجدادنا، نحب السلام والحرية والنظافة والنظام والجمال، ونسعى لخير البشرية. لقد آثر أجدادنا الكلمة على السيف، فاخترعوا أول أبجدية في التاريخ، واخترعوا العجلة وأول دستور في العالم، ثم «طافوا البحار، واكتشفوا المحيط الأطلسي، ووصلوا إلى جزر (كاستيربادس) جنوب غرب بريطانيا ونقلوا إليها معدني القصدير والرصاص. لقد دار أجدادنا حول (رأس العواصف ــ الرجاء الصالح) قبل (فاسكو دي غاما) بألفي عام. لم تكن رحلاتهم تدميرية واحتلالية كغيرهم من شعوب العالم القديم، بل حملوا معهم في أسفارهم التجارية خلاصة معارفهم الحضارية ونشروها بين الأمم، وأنشؤوا للشعوب الأخرى مزارع الزيتون والعنب والتين، وأدخلوا الأبجدية الكنعانية إلى بلاد الإغريق، والنقد الهيلنستي الذي يحمل صورة «قدموس» وهو يعلم أهل «طيبة» الأبجدية خير دليل على ذلك.»[1] لن نستفيض في سرد الشواهد على التاريخ الحضاري الموغل في القدم لسوريا، فمن يتعاطى المعرفة، يعلم أنها تكاد لا تحصى. وليس غرضنا التغني هنا بأمجاد الماضي، بل تذكير الآخرين الذين أقلعوا عن القراءة والفهم بأن السوري يعي «هويته» ويحس بها، وسوف يبني انطلاقًا من هذا الوعي دولته الحديثة مسترشدًا بأجداده الذين آثروا الكلمة على السيف.

سوريا تحت السيف

أ. حلف الناتو وذراعه الجديد: القاعدة وغيرها من حركات الإسلام السياسي

لقد أضحى واضحاً أن ساسة أمريكا وأوروبا يجيشون فصائلهم الإعلامية لتضليل الكون بأن الغرب الرسمي يخوض حربًا دائمة على الإرهاب، وأنه لا يتدخل عسكريًا في البلدان الأخرى إلاّ «لحماية المدنيين» ونشر الديموقراطية والحرية، في حين أنه تحالف ويتحالف مع الإسلام السياسي وذراعه العسكري «القاعدة»، فمن حربه على بلاد البلقان في تسعينيات القرن الماضي، إلى هجومه على ليبيا في هذا العام، وصولاً إلى محاولاته الآن للقضاء على ما تبقى من ملامح حضارية للهوية السورية. هل قرأ هؤلاء الساسة ما كتبه عدد كبير من المفكرين والأكاديميين الغربيين المستقلين عن علاقة هذا الغرب بتنظيم القاعدة وكيف أن مقاتليها أصبحوا يشكلون جناحًا عسكريًا للناتو، وأن قوى الإسلام السياسي الأخرى تحولت بزعامة أردوغان وحركة الإخوان، إلى حليف حميم لـ «السي آي إيه» والناتو؟[2]

لقد بات معظم السوريين يدركون أن الـ «سي آي ايه» تقوم اليوم بتجنيد جهاديين إسلاميين من صنف حركة الإخوان وحزب التحرير وغيرهم بأموال خليجية وتقنية أمريكية، وتقوم بتدريبهم في معسكرات تركية لتأهيلهم إلى ما يُسمى «فرق الموت Death Squads» ضمن خطة تُعرف باسم «خيار السلفادور Salvador Option» للتسلل إلى الأراضي السورية تحت غطاء أمريكي ــ تركي.[3] و [4] كما أن السوريين يدركون أيضًا ما يدور على الصعيد السياسي، فقد أصبحوا يعرفون أن فئات من الأكاديميين والصحفيين الغربيين اللامستقلين نجحت في تمرير ونشر خدعة كبرى مفادها أن الإسلام السياسي بقيادة الإخوان لا تتعارض منطلقاته الفكرية مع الديموقراطية، بل حتى أن الأمر وصل بمدير المخابرات الوطنية الأمريكية «جيمس كلابرJames Clapper» إلى حد الاستخفاف بعقول الناس ونشر خرافة «علمانية الإخوان» في وسائل الإعلام.[5] فهل يعتقد هؤلاء أن المتابع لما يُكتب ويحدث في العالم لا يعرف نوايا الإخوان المستترة خلف حجاب التقية أو (الاضطرار أو المنسأ)، وأنه لم يقرأ مشروع فصيلهم السوري الذي يطالب بدولة «الحاكمية» الإسلامية ويسعى لإقامتها مُتسترًا خلف شعارات الحرية والديموقراطية وحقوق الانسان؟!…

ب. أية دولة يريد الإخوان؟

صدر عن حركة الإخوان المسلمين السوريين الذين يتخذون من لندن مقرًا لهم كراس بعنوان «المشروع السياسي لسورية المستقبل: رؤية جماعة الإخوان المسلمين في سورية» بتاريخ 19/12/2004، وهو يمثل أهم أدبياتهم الحديثة لأنه يتضمن منطلقاتهم الفكرية وبرنامجهم السياسي ولم يصدر عنهم حتى هذا الحين ما يخالف مضمونه.[6]

تقول الحركة في هذا الكراس:

«إن الجماعة تدعو إلى إقامة دولة حديثة، تكون الحاكمية فيها لله، والسيادة للقانون، والسلطان للأمة.»[7] ثم تتابع قولها: «فالأمة هي مصدر الولايات […] والسمع والطاعة للحاكم […] حق ذو وجهين مدني […] وشرعي ينبع من طاعة الله […] ولذلك يبقى حق السمع والطاعة مرتبطًا بموضوع العقد وشروطه الأساسية […] (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) أي خارج إطار العقد المتفق عليه بين الحاكم والمحكوم.»[8] وتقول أيضًا: «تسعى (الجماعة) في سياساتها القضائية إلى […] أسلمة القوانين تدريجيا» لأنها تعتقد «أن الشريعة المنزلة من عند الله رحمة للعالمين أرفق وأحكم وأرعى لمصلحة الناس أجمعين.»[9] وأيضًا: «تؤمن الجماعة أن الإسلام دين شامل لكل جوانب الحياة […] وتؤمن كذلك أن الإسلام لا يفصل الدين عن السياسة.»[10]

ج. التباس المفاهيم وتشويهها

نجحت فئات الأكاديميين والصحفيين الغربيين التي أشرنا إليها قبل قليل وبالتعاون مع حلفائهم العرب من منظري ومروجي فكر الإسلام السياسي، وإلى حد بعيد للأسف، بتشويه وفبركة مصطلحات ومفاهيم مفصلية من القاموس السياسي وتمريرها بصيغها الملتبسة إلى نسيج الخطاب اليومي العربي، فتلقفتها الألسن والأقلام وغدت تتداولها كما لو كانت أمرًا بديهيًّا.

ولأن السلوك ينجم عادة عن الأفكار – كما يعلّمنا علم النفس الحديث – فإن ظاهرة التباس المفاهيم تمثل تحديًا فكريًا يستلزم التنبيه والتصدي، وخصوصًا في ظل ما تشهده المنطقة العربية من حراك سياسي ومشاريع ثورات واعدة وحاجة هذه الانتفاضات الماسة إلى فكر تنويري. وفيما يلي بعض المصطلحات والمفاهيم الملتبسة على سبيل المثال، لا الحصر:

1) النموذج التركي وتسويق خرافة عدم تعارض الديموقراطية مع الإسلام السياسي

أضحى الحديث عن النموذج التركي وصلاحية تطبيقه في المنطقة العربية قضية بارزة في الخطاب اليومي العربي وفي الإعلام الغربي. والسؤال هنا: هل نسي أصحاب النوايا البريئة أن هناك شخصًا كان اسمه «مصطفى كمال أتاتورك» قام بتأسيس الدولة التركية العلمانية قبل نحو 90 عامًا؟! لماذا يسكت أصحاب النوايا المبهمة عن هذه الحقيقة التاريخية؟! هل يريدون طمس تسعين عامًا من تاريخ تركيا لإيهام الناس بأن حزب العدالة والتنمية هو من اخترع العلمانية التركية؟! ثم لماذا هذا الصمت المريب والسكوت عن الحملة المتواصلة التي يشنها هذا الحزب لأسلمة فضاءات الدولة والمجتمع منذ استلامه زمام الحكم في تركيا؟! ولماذا يخيم الصمت على وسائل الإعلام المُسيّسة الغربية والعربية، ولا تتحدث عن حملات الاعتقال والملاحقة التي تشنها الحكومة التركية الحالية على أصحاب الرأي من الأكاديميين والصحفيين والقضاة والمحامين، وعن محاكمة الضباط العلمانيين والعلاقة المالية والآيديولوجية الحميمة التي تربط حكومة حزب العدالة والتنمية بالملياردير التركي «فتح الله غولن Fethullah Gülen»؛ الداعية الإسلامي ومؤسس «حركة غولن الإسلامية» الذي يعيش في الولايات المتحدة بعد هروبه المزعوم من وجه العدالة التركية؟! ثم لماذا مُنع نشر كتاب «جيش الإمام»، ولماذا يُلاحق مؤلفه الصحفي والمدرس الجامعي «أحمد جيك Ahmet Şik»؟! ومن يود الاستزادة، ما عليه سوى أن يقرأ ما نشرته مجلة «دير شبيغل» بهذا الصدد في عددها (14/2011)[11]، وأن يراجع ما كتبه عزيز الحاج في جريدة إيلاف الإلكترونية حول الموضوع ذاته[12].

2) «الدولة المدنية»؟!

يبدو أن الإخوان قد نجحوا في تمرير هذا المصطلح المبهم «الدولة المدنية» الذي هو في حقيقة الأمر مرادف لمصطلح «الدولة الاسلامية». راجع مقالتنا «الانتفاضات العربية وإشكالية المصطلح: ما هي الدولة المدنية؟»[13]

3) الثورة

ما حدث ويحدث من انتفاضات في المنطقة العربية يطلق عليها معظم الناس اليوم كلمة «ثورات». غير أن هذه التسمية تفتقر إلى الدقة العلمية لأن فيها استباق للأحداث وفيها مغالطة مفهومية. لماذا؟

الثورة ــ كما يحددها علم الاجتماع السياسي في الموسوعة العالمية للعلوم الاجتماعية والسلوكية في نسختها الإلكترونية لعام 2002 ــ هي تحول جذري سريع في بنية الدولة والمجتمع، مصحوب بانتفاضة جماهيرية تقودها النخب أو تحدث بصورة تلقائية، حيث يترافق هذا التحول بعملية تفضي إلى التحرر من البنى السياسية والاجتماعية المعيقة لحركة التقدم ونيل الفرد لحريته.[14] أي أن الثورة بمعناها الحديث لا تعني إزالة النظام السياسي القائم (اللاديموقراطي) فسحب، بل تعني أيضًا بناء «عهد جديد» تنتقل فيه المجتمعات المنتفضة من القدامة إلى الحداثة المعرفية عبر تشييد دولة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان المُعرّفة والمُطبّقة عالميًّا.

لم تستخدم كلمة «ثورة» بهذا المعنى الحديث إلاّ بعد قيام الثورتين الأمريكية (1779) والفرنسية (1789 ــ 1799). أما قبل ذلك فإن كلمة «ثورة revolution» ــ المشتقة من الكلمة اللاتينية «revolutio» ــ كانت تعني في لغات العصور الوسطى اللاتينية والألمانية والإنكليزية والفرنسية «العودة إلى نقطة الانطلاق الأصلية بحركة دائرية»، وذلك تيمنًا بما جاء في كتاب «في حركة الأجرام السماوية» لكوبرنيكوس (1543).

وبهذا المعنى تم استخدام كلمة «ثورة» في عالم السياسة لأول مرّة، وذلك بعد اندلاع «الثورة المجيدة Glorious Revolution» في إنكلترا سنة 1688، وإعلان «وثيقة الحقوق Bill of Rights» التي أكدت على ضرورة «عودة الأشياء إلى نقطة انطلاقها الأصلية» أو «عودة الأمور إلى نصابها» عبر تفعيل الوثيقة العظمى «ماغنا كارتا Magna Carta» التي كانت أبرمت بين بارونات انكلترا وملكها سنة 1215.

للثورة إذًا معنيان، أولهما معاصر بمعنى الثورة الفرنسية أي «الإطاحة بما هو قائم وبناء عصر جديد»، وثانيهما قديم بمعنى الثورة الإنكليزية المجيدة أي «إعادة الأشياء إلى نقطة انطلاقها الأصلية»، وهو معنى لم يعد له سوى أهمية تاريخية.

من هنا، يتبين أنه لا يصح في الوقت الراهن أن نطلق كلمة «ثورة» على ما حدث في تونس ومصر وليبيا وعلى ما يحدث في غيرها من البلدان العربية حاليًّا، بل الأحرى لنا أن نسميه «انتفاضة جماهيرية» أو «مشروع ثورة»، فهذه الانتفاضات هي مشاريع لم تكتمل بعد، وما زالت مفتوحة على احتمالات شتى، من بينها العودة بالمجتمعات المنتفضة إلى الوراء على يد قوى سياسية ماضوية التوجه تحتل حيزًا كبيرًا في الفضاءات السياسية لهذه المجتمعات لعلها هي من يقف وراء ترويج استخدام كلمة «ثورة» في المرحلة الحالية خدمة لآيديولوجيتها التي تنسجم مع المعنى القديم لمصطلح «الثورة». راجع مقالتنا «ثورات أم التباس في المفاهيم؟!»[15]

4) حكم الأغلبية

يتم تداول هذا المصطلح اليوم كما لو كان يعني حكم الأغلبية الدينية أو الطائفة أو الإثنية، في حين أنه يعني في الحقيقة حكم الأغلبية السياسية التي هي أغلبية عابر للأديان والطوائف والإثنيات. وبرغم أن بعض الأحزاب الأوروبية تحمل أسماءً فيها إشارة إلى المسيحية، إلاّ أن منطلقاتها الفكرية وبرامجها السياسية تتطابق تمامًا مع مبادئ دولة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان.

وإذا كانت بعض القوى السياسية وما زالت تصر دائمًا على استخدام تعبير «حكم الأغلبية» بصورته المشوّهة المذكورة سابقًا، فإنها سعت وتسعى من خلال ذلك إلى التأثير على التفكير الجمعي سيكولوجيًا ودفعه لاستبطان هذا المصطلح المفصلي بصيغته المغلوطة ليتحول فيما بعد إلى بديهية ذهنية تُسيّر سلوك الفرد والجماعات في الحراكات السياسية والعمليات الانتخابية، ويسهم مع غيره من المفاهيم الملتبسة والمشوهة في خلق وعي جمعي سياسي زائف غير قادر على تشييد دولة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان.

5) اختزال مفهوم الديموقراطية

كثيرًا ما يتم اختزال الديموقراطية إلى مجرد «عملية الاقتراع»، علمًا أن الديموقراطية هي منظومة متكاملة وُجدت لتسيير شؤون المجتمع السياسية، وهي منظومة لا تعمل دون توفر جميع مقوماتها الخمسة: 1. التعددية السياسية 2. القضاء المستقل 3. الإعلام الحر 4. ضمان حقوق الأقليات القائم على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين 5. دستور يكفل التبادل السلمي للسلطة عبر الانتخاب الديموقراطي، ويتضمن بنودًا صريحة تلزم جميع الأحزاب الراغبة بالمشاركة السياسية بديموقراطية الأفكار والأفعال. ولا يستقيم عمل المنظومة الديموقراطية دون التزام سلطات الدولة الثلاث بمبدأ المراقبة المتبادلة على صعيد الممارسة، إذ أن خروج أي من هذه السلطات من دائرة المراقبة والمساءلة من شأنه أن يمهد الطريق إلى تفردها بالسلطة ويقود إلى إعادة إنتاج الاستبداد.

لقد نجحت بعض الحركات ذات الآديولوجيات اللاديموقراطية، إلى حد يجب ألاّ يُستهان بخطورته، في الترويج لهذا التصور الاختزالي عن الديموقراطية، وتحويله إلى إحدى بديهيات الخطاب السياسي اليومي لقناعتها بأنها تمتلك ما نسميه «الرأسمال السيكولوجي» لأوسع قاعدة شعبية في بلدانها، وأن هذه الأخيرة سوف تنتخبها استجابة لشعارها العريض الذي ترفعه منذ تاريخ تأسيسها، والذي ساهم في تأسيس وتراكم الرأسمال المذكور.

كلمة أخيرة: السوري والتدين

السوريين، شأنهم شأن أجدادهم، يحبون السلام والحرية والنظافة والنظام والجمال، ويسعون لخير البشرية، ويؤثرون الكلمة على السيف والثقافة الزراعية على الثقافة الرعوية والقراءة والتحليل على الاستظهار والخطابة والوعظ؛ فسوريا كانت دائمًا وما تزال رحيبة الصدر حيال الثقافات الوافدة، فقد فتحت قلبها لمنظومة الأفكار الجديدة التي حملها إليها الفتح الإسلامي قبل نحو 1400 عام، واستوعبتها بالمحبة التي كانت عنوان الثقافة الدينية لسكانها الأصليين، المسيحيين الذين تحوّل عدد كبير منهم إلى الإسلام بمرور الزمن بعد أن أدركوا أنه دين رحمة وعدالة ومحبة.

إسلام سوريا لا يختلف في جوهره عن مسيحية سوريا، فكلاهما يحمل عنوان الإخاء والسلام، ويؤثر الكلمة على السيف.

أ. الأمير

بروفيسور في العلوم العصبية المعرفية

المراجع

[1] طربية، غسان. بيروت الأوغاريتية (1988)، دار المنارة. (ص 52 ــ 53)

[2] Dale Scott, Peter: Bosnia, Kosovo, and now Libya…

[3] Chossudovsky, M.: A “Humanitarian War” on Syria?…

[4] Chossudovsky, M.: The Pentagon’s “Salvador Option”…

[5] راجع «فوكس نيوز».

[6] راجع «مشروع جماعة الإخوان المسلمين في سورية» (ملف وورد)

[7] المرجع السابق (ص 94)

[8] المرجع السابق (ص 31 ــ 32)

[9] المرجع السابق (ص 96)

[10] المرجع السابق (ص 23 ــ 24)

[11] انظر مجلة «دير شبيغل» الألمانية.

[12] راجع «مقال عزيز الحاج» في «إيلاف».

[13] الانتفاضات العربية وإشكالية المصطلح: ما هي الدولة المدنية؟!…

[14] International Encyclopedia Of The Social & Behavioral Sciences, ebook, 2002 (ص 13302 ــ 13305)

[15] ثورات أم التباس في المفاهيم؟!

4 تعليقات على: في الانتفاضات العربية: سوريا بين السيف والكلمة

  • avatar
    Comment by: د. عماد أبو عسلي

    شكراً لك على هذه المقالة المنطقية والواقعية والتحليلية الرائعة وأتمنى الخير للوطن

  • avatar
    Comment by: هادي

    ولكن مصطلح “الدولة المدنية” ما زال يصدر أيضاً عن مفكرين وفلاسفة سوريين معروفين باتجاهاتهم “الأنتي-أخوانية”، فهل ينبغي التنبيه إلى ضرورة استخدام تعبير آخر؟

    • avatar
      Comment by: الكاتب

      تساؤل بالغ الأهمية!… والإجابة هي: الدولة الديمقراطية البرلمانية (التمثيلية) / دولة ديمقراطية برلمانية. هناك إجماع اليوم على ما يعنيه هذا التعبير من حيث المفهوم والتطبيق، فعندما يتحدث عالمنا المعاصر عن الدولة الديمقراطية التمثيلية، فإنه يعني بذلك دولة القانون والمواطنة وحقوق الإنسان والفصل بين السلطات التشريعية والتنفيدية والقضائية، وفصل الدين عن الدولة والسياسة وحرية الرأي والمعتقد (راجع أيضاً ما ورد في المقالة تحت عنوان: اختزال مفهوم الديمقراطية).
      أما لماذا يستخدم بعض المفكرين المعروفين مصطلح «الدولة المدنية»، فهذا ما ينبغي الإجابة عنه من قبلهم، رغم قناعتنا بتعذر ذلك أو استحالته خارج السياقات الثلاثة التي أتينا عليها في مقالتنا المنشورة على هذا الموقع (الانتفاضات العربية وإشكالية المصطلح: ما هي الدولة المدنية ؟!…).

  • avatar
    Comment by: nomaelmir

    هام جدا ما كتبته حول مفهوم الديمقراطية، مشروع الاخوان والاسلام السّياسي. هذه المرّة انتابتني نشوة انتصار من دون أن أهزم عدوّا. شكرا لك و السلام لسوريا

اترك رداً على هادي إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *