إعلانات

التواصل الاجتماعي

دعمك من أجل استمرارنا!

إعلانات

إعلانات

زمن الديناصورات!… الذهنيات السائدة: خضوع للتيار… وانسلاخ عن العصر! (الجزء الأول)

لا تتم حركة التاريخ ما لم تتحقق الانقطاعات فيها، لأنها في طبيعتها حركة انقطاعية. والانقطاع يسقط خط الاستمرار التصاعدي، فهو جوهر الحركة وأساسها الذي يحدد التاريخ كقفزات هي بدورها حالة انتقال من طور إلى آخر أو من مرحلة إلى أخرى تصاعديًا وتنازليًا معًا. وعليه فإن القفزة هي مرحلة انتقالية بين طورين، والمراحل الانتقالية في حياة المجتمعات تتسم عبر التاريخ بسمة «التقلبية» التي تتهيكل وفق «ثبوتية وقتية» على حركة مخاضية منفلتة من عقال النظام الضابط لها، عبر خرقها لهذا النظام وتوضعها العشوائي بعيدًا عن محيط دائرته وخارج إطاره، خالقة لنفسها نظامها الخاص الذي يتفرد بتعدد صوره وتنوعها.

ورغم تأسس ماهية هذه المراحل على ميلها العام إلى الاستقرار، فإنها ــ ومن خلال هذا الميل ــ لا تتخذ صيغتها المقررة إلا بتحقّق شروط التقرير المجهولة والمعقدة بآن. مما يدفعها إلى إنتاج بنى وطرق للتفكير موائمة للواقع الـ «سيااجتصادي» في المجتمع، وفي الوقت نفسه ترتهن لمقيدات وإمكانات هذه البنى والطرق المنتجة «بفتح التاء». بمعنى أوضح تقوم المراحل الانتقالية في المجتمع بإنتاج بنى وطرق التفكير الملائمة وهذه بدورها تساهم في صياغة الملامح الرئيسة لهذه المراحل.

وفي واقع الأمر لا تشذ المرحلة الانتقالية التي يعيشها المجتمع العربي منذ عصر النهضة وبدء اليقظة العربية وحتى اليوم عن هذه القاعدة، فالتقلبات العملاقة المسيطرة تتبدّى ــ وضمن الخطوط العريضة للواقع العربي الراهن ــ أمام مفترق طرق يحتّم علينا التحوّل من البنى السّائدة للتفكير إلى بنى أخرى تتميز بالشمول والتفوق بأوسع معانيهما.

ومما لا شك فيه أن المراحل الانتقالية تتمايز عن غيرها بحضور الأزمات الكبرى التي تقوم بفرز الإشكاليات والمسائل على أكثر من صعيد إن لم  نقل على الأصعدة كافة. وبقدر ما تبدو هذه الأزمات عوامل تثبيط وإحباط وبواعث يأس وتقهقر، فإنها تتموقع على المستوى نفسه كعوامل تطور وارتقاء. وهي تظهر في الصورة الأولى إثر محاولة تأصيلها وترسيخها والانغماس في جريانها ومجرياتها، وفي الصورة الثانية عندما تخضع لإجرائية الفحص الصارم والدقيق من أجل تجاوزها والخروج من إزارها، والواقع الفكري الثقافي العربي يعكس الحالة بوضوح كمشهد صادق لملامح الذات العربية  الضائعة أمام صدمة التفوق الحضاري الغربي وصدمة المشروع الصهيوني.

إذًا، يجدر بنا أن نحدد الأزمة التي نحن إزاءها، فهي باختصار شديد أزمة ذهنيات أو بتحديد أكثر، «أزمة الذهنية العربية» وما يترتب عنها من نتائج خطيرة على المجتمع العربي ككل. ولا بد لي من الإشارة هنا إلى أنني لا أقصد بأزمة الذهنية العربية أزمة «عقل عربي» بالمعنى المتداول ــ أي أن الأزمة ناتجة عن صفة متأصلة عند الإنسان العربي ــ وإنما أقصد الذهنية التي أنتجتها المرحلة الانتقالية، والتي تقوم في الآن ذاته بإنتاج تمايزية هذه المرحلة. بكلام أصرح: أريد الوصول إلى السؤال الآتي مع ترك الإجابة عليه مفتوحة: ما هي النتائج المترتبة على المجتمع العربي وعلى الثقافة العربية جرّاء طرق التفكير (Manière d’intellection) والذهنيات السائدة (Les mentalités dominantes) في الواقع ظاهرًا وجوهرًا؟

فإذا كان خضوعنا لتيار المرحلة وانسلاخنا عن العصر ــ على اعتبار المرحلة لا تعبر عن العصر المعني ــ نتيجتين من جملة ما يمكن أن ينتج جرّاء وقوعنا تحت هيمنة أساليب التفكير المتداولة، وجراء انغماسنا في دوامة الذهنيات السائدة، فإن هاتين النتيجتين «وحسب» أدّتا إلى «الغرق» في الأزمات الكبرى بكل ما فيها من تعدد وتعقيد ومصاعب، وهذا دون النظر إلى النتائج الأخرى التي لا تقل أهمية عنهما، وعند هذه النقطة بالذات لا بد لي من الإشارة من جديد إلى أنني لا أنوي حصر أسباب الأزمات التي يعانيها المجتمع العربي بأزمة ذهنيات، بل إن الذهنية العربية ــ إن كانت تخص فردًا أو جماعة أي بمعناها الواسع ــ هي في الوقت ذاته منتَج «بفتح التاء» ومنتج «بكسر التاء»، منتَج «بفتح التاء» أزمات ومنتج «بكسر التاء» أزمات، وعليه فإن فعل «الغرق» قابل لأن يُوعى بوعي منتَجه «بفتح التاء» ومنتجه «بكسر التاء» معًا، وهذا ما تنطوي عليه محاولتي في تصنيف الذهنيات السائدة ومناقشتها.

ذهنياتٌ منقرضةٌ

بالاتفاق المبدئي على أن حدوث فعل الغرق قد تم كنتيجة لذهنيات محددة، وبغض النظر عن هذا الحدث إذا ما كان إراديًا وبوعي، أو غير إرادي وبلا وعي، فإنه لا بد لنا من التساؤل عن حقيقة هذا الغرق عبر المخاض الذي نعيشه، هل هي خفية علينا أو العكس؟… وإذا كان الجواب قطعيًا بتجلي هذه الحقيقة، فهل يمكن الاكتفاء بإجابة كهذه على الرواح والإياب دون النظر إلى المسألة من حيث أبعادها الحقيقية العميقة والمعقدة؟ بمعنى آخر، هل يكفي لحسم المسألة القول: «إن هناك غرقًا أصابنا نتيجة انجرافنا في تيار الذهنيات السائدة» وكفى؟.

إنه لمن المؤكد أن عملية تجلّي هذه الحقيقة شرط لازم غير أنه ليس كافيًا. وأقصد هنا: إن المسألة ذات مستويات متعددة ومن غير المجدي التعامل معها على مستوى واحد دون الاعتبار لمستوياتها الأخرى. وعليه سيكون من الضروري لنا إزاءها أن ننتقل من مستوى رؤية تلك الحقيقة بتبديلها إلى مستوى رؤية خفاياها وخلفياتها ثم إلى مستوى امتلاكنا لها وتعاملنا معها ثم إلى مستوى قولنا بها وإيصالنا إياها إلى الآخر. غير أن وجود ظروف أفرزت شرطة رقيبة على كل شيء سيجعل بالضرورة تهيؤ فرصة لقنص الحقيقة وامتلاكها، ثم القول بها ومواجهتها، أمرًا صعبًا للغاية. ومن هنا فإن ذلك سيحتاج إلى جرأة أدبية من نوع خاص، وإلى حسّ نقدي متميّز، قادرين على مواجهة الظرف بكل ما فيه من قساوة أولًا، وعلى تجاوز الطرق المبتذلة للتفكير ثانيًا. هذا يعني أن هذين الاحتياجين يقتضيان ألاّ تقتصر فاعلية معرفة المرء على أنه يعرف ويعرف أنه يعرف ويعرف أن معرفته حقيقية. أي المشكلات المتعلقة بالغنوصيولوجيا (Gnoseology) أو نظرية المعرفة (Théorie de la connaissance) وحسب، وإنما على هذه المعرفة بحد ذاتها كنشاط روحي وكانعكاس للواقع الموضوعي من جهة، ومن جهة أخرى على معايرتها من خلال الأفعال العملية والممارسة التراكمية (La Pratique accumuleé) القادرة على إثبات صحتها أوالعكس من حيث نتيجتها وتوافقها مع موضوعاتها ومن حيث كيفية امتلاكها وإيصالها إلى الآخر.

بكلام أوضح: إن هذين الاحتياجين «الجرأة الأدبية ــ الحسّ النقدي» متعلقان بمعرفة هذا المرء أو ذاك بحد ذاتها أولًا، وبكيفية امتلاكه لها ثانيًا، وبكيفية تعامله معها وإيصاله إياها إلى الآخر بغية تحقيق الفعل الإيجابي ثالثًا. وهنا تكمن المشكلة التي أودّ طرحها. وإنني من هذا الموقع لا أضع نفسي في موقع القائم على تقويم معارف الآخرين، على ما يمكن للبعض أن يفهم من كلامي، وإنما أريد ان أناقش وأطرح على مائدة الحوار عينات محددة وواضحة ومألوفة في الوقت ذاته من طرق التفكير ومناهجه السائدة والمتعددة التي تتبدّى قادرة على إفساد العملية المعرفية، وإفشال معايرتها التي تعتمد مبدأ الممارسة التراكمية.

من هنا تظهر المشكلة المطروحة على نحو تفاقميّ عبر وقوع «الغالبية» من أفراد مجتمعاتنا في جملة من الانسياقات في منهجيات منسلخة عن روح العصر بتجلياته وخفاياه.[1] الأمر الذي أدى إلى جعل أصحابها (حتى المشتغلين في الفكر والثقافة منهم) يرزحون تحت وطأة الخروج من دائرة التحولات الـ «سيااجتصادية» الجديدة من جهة، وتحت وطأة الفهم السطحي الزائف للواقع بتنوع زمكنته من جهة أخرى.[2] بمعنى أصرح: تمكنت هذه المنهجيات من جعل أصحابها واقعين في حالة من «قدم التفكير» أو «التفكير المنقرض (L’intellection eteinte)».

إن نظرة عميقة وشاملة إلى الوضع الراهن للثقافة العربية بمقوماتها وأساسياتها وانعكاساتها وتبادليتها مع المجتمع من حيث التأثر والتأثير لتبين لنا التضخم الهائل للمنهجيات المنقرضة «الديناصورية»[3] في التفكير، التي لا تقوم على الرؤية السطحية الزائفة للواقع ومتطلباته ومعطياته فحسب، وإنما أيضًا على حالة من الاسترجاع التأخري (La récupération retardaraire) للواقع بمختلف تفاصيله وعلى أصعدته كافة، وسيتبين للقارئ الكريم ما أقصده بذلك من خلال محاولتي في عرض عينات ونماذج لطرق التفكير الديناصورية والذهنيات المنقرضة في قالب تحليلي تصنيفي لهذه النماذج وتلك العينات التي نعايشها ونصادفها أينما ذهبنا وكيفما اتجهنا.

آدون المير

معماري وفنان تشكيلي وكاتب

هوامش

[1] أرجو ألّا يفهم من كلامي أنني من أصحاب تيارالعصرنة أو الغربنة القائم على مركبات النقص تجاه تكنولوجيا وحضارة الغرب، فأنا اعني بروح العصر الحضارة التي وصلت إليها الإنسانية بمجملها والمستوى الذي وصل إليه العقل البشري من تطور وفق التفكير العلمي المطّرد، وهذا يعني بالضرورة أنّ روح العصر بالنظر لما أسلفت تحتوي الماضي وتضمه في مخزونها الخبراتي بمعنى آخر: لست مع إقامة قطيعة مع «الماضي ـ التراث»، وإنّما أرى أنّ الالتصاق بروح العصر هو شرط أساسي للتعامل مع التراث كجملة متسلسلة من التبادلات التراكمية الخبراتية «الكمية والكيفية على حدّ سواء» للماضي والحاضر والمستقبل.

[2] إنّ طرق التفكير المعنية لا تخصّ المشتغلين  في الثقافة وحسب، بل إنّها أيضًا تخصّ جميع شرائح المجتمع وطبقاته وفئاته على اختلافها وتفاوت مستوى وعيها ووعي كلّ فرد ينتمي إليها، بمعنى: إنني هنا أناقش نواتج سيرورة العمليات «الاجتماعية ــ السياسية ــ الاقتصادية» الاطّرادية (Le processus social, politique, économique) على طريقة تفكير الفرد والجماعة؛  وذلك من خلال عينات تصنيفية لطرق التفكير هذه.

[3] الديناصورات (Les dinosaures) زواحف ضخمة ظهرت منذ «260 مليون سنة» في الدّور الثلاثي أو الترياسي (La période triasique) من الحقب الجيولوجي الثاني الذي امتدّ حوالي «200 مليون سنة»؛ ثم انقرضت في الدّور الطباشيري أو الكريتاسي (La période crétacique) من الحقب نفسه، منذ حوالي «65 مليون سنة»، وهي في الحقيقة لم تنقرض من حيث المعنى الرمزي الذي اتخذناه لطرق التفكير السائدة.

  • اقرأ أيضًا:     الجزء الثاني الجزء الثالث
  • نُشرت هذه الورقة في مجلة النهج الصادرة عن مركز الدراسات والأبحاث الاشتراكية في العالم العربي، العدد 7، ربيع / صيف 1996.

تعليق واحد على: زمن الديناصورات!… الذهنيات السائدة: خضوع للتيار… وانسلاخ عن العصر! (الجزء الأول)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *