إعلانات

التواصل الاجتماعي

دعمك من أجل استمرارنا!

إعلانات

إعلانات

حِوارُ «الطِّرْشَان»!

للمفاهيم «أيضاً» طعمها المالح ورائحتها اليابسة، إنْ تسمّرت في فَلَكها «الواحد والأحد»، وعزفت عن الدوران في أفلاكها الأُخرى. وخشيةً وتحاشياً منّي أن أسقط في أسْر المضامين التابوية المُسْبَقَة، وأنساق فيما تفرضه التصوّرات القياسيّة الثابتة، سأحاول الابتعاد عن الانزلاق في مَزِلَّة الكلام المُقَيَّد بمفاهيم تهترىء عن طريق التقادم؛ عبر ازدياد المسافة بين ما تمليه الحاجة إلى تطويرها بوساطة استقدام خصوبة أفلاكها؛ وبين دلالاتها ومضامينها الذهنيّة السائدة التي تَصَنَّمَت عند مرحلة الفلك «الواحد والأحد». بذلك فإنّي سأتجاهل – عن قصدٍ وسابق إصرارٍ – ما يُكَرَّرُ من تسمياتٍ مثل: «الحوار الديموقراطيّ، الحوار الحرّ…»، وما شابه!

وإنّي لأفهم الحوار – بمعناه الواسع ومفهومه الإيجابيّ – على أنّه يتضمّن عمليّة «خَلْقٍ»، و«الخَلْق» هو هو تشوّف اللّامألوف في عمق المألوف حتّى لو بدا التشوّف مألوفاً؛ وهو هو تَصَيُّدُ السَّكْتِ خلال نَبْرِ القول حتّى لو ظهر التصيُّد قولاً.

وإنْ يكُنْ «كوجيتو ديكارت» «René Descartes: Cogito ergo sum» تأسيسيّاً بامتياز وَفق القول: «أنا أفكّر، إذاً أنا أكون.» – «Je pense, donc je suis.»«I think, therefore I am.»؛ أجِدْه – وقت أقرؤه في مضمونه المركَّب – متوافقاً مع القول: «أنا أحاور، إذاً أنا أكون.»، وبكلامٍ أعمّ وأدقّ: «نحن نحاور، إذاً نحن نكون.».

بيد أنّ قراءتي هذه – «نحن نحاور، إذاً نحن نكون» – تشترط في الحوار أن يكون فِعْلاً تطويريّاً للتفكير، وفِعْلاً تحفيزيّاً لإشغال العقل (إبيستمولوجيّاً – معرفيّاً) وتَعْصِيْبِ الدماغ (بَيولوجيّاً)؛ وهذا ما يتعارض مع واقع الحال ويخرج على السائد. وعليه، فإنّ هذه القراءة – وحتّى تحقّق مشروطيَّتَها – تتعامل مع الحوار في كونه «خَلْقاً»، من خلال تأسُّسها على المفهوم المطروح آنفاً من غير أن تتجاهل ما يَشُلُّ وظيفته؛ هذه الوظيفة التي تتكشَّف كفعلٍ إيجابيٍّ طامحٍ لتحقيق نتاجٍ إنسانيٍّ مُعَمَّمٍ من جهة أولى، ومن جهة ثانية – وعلى وجه التخصيص – نتاجٍ قابلٍ لبلورة عمليّة بَدء «الانتقال» و«الفعل» التي هي عمليّة لازمة وضروريّة لتحويل ديناميّة المجتمع وإيقاظها من سباتها، ومن ثمّ تهيئتها للعمل من جديدٍ على نحوها «الصحيح» والمُفْتَرَض، مع مراعاة تمايز بنية هذا «الصحيح» والظروف المحيطة به.

وَفق التحديد السابق، يفترِض الحوار ديناميّتَه الخاصّة التي تجعل منه عمليّةً «نِتَاجيَّةً» فاعلةً إلى أقصى حَدٍّ ممكنٍ، وعلى جميع المستويات، أعلاها وأدناها معاً. ووَفق التحديد السابق أيضاً، يفترض الحوار سماتِه – تبعاً لديناميّته المشار إليها – كسماتٍ تنفصل عن، وتقيم قطيعةً مع استبداديّة المفاهيم الشائخة وتعسُّف المضامين الذهنيّة الدارجة. إنّها سماتٌ «تغايريّةٌ» في توصيفها، و«تجدّديّة» في جوهرها، و«متحوّلة» فيما يقتضيه المعنى المُفْتَرَضُ للحوار ودلالاته.

من هنا فإنّ للحوار وظيفةً تنويريّةً خلاّقةً (وللتنوير في هذا السياق مضمونٌ مغايرٌ، يتجاوز دلالات التنوير العربي أو الأوروبي إبّان نهضتيهما؛ ليبني دلالاته الخاصّة بمراعاة المعطيات الجديدة)، ووظيفةً إنتاجيّةً بكلّ ما تستطيع هذه الوظيفة استيعابه، ووظيفةً تطويريّةً تساهم في بلورة الديناميّة الخاصّة لمجتمعاتنا، ووظيفةً تغييريّةً تُسْقِطُ الممنوع والمحظور، وتفتح الآفاق أمام المُمْتَنِع والمُتَمَنِّع؛ ليغدوَ قابلاً للأخذ وقادراً على العطاء في وقتٍ واحدٍ وعلى الدرجة نفسها. باختصار: إنّ الحوار يحمل في طواياه وعلى قشرته وظيفةً جدليّةً بحكم كونه «حواراً».

إنْ أَتَمَعَّنْ بذلك كلِّه، أَجِدْ أنّ الحوار لا يشترط توافق المُتَحاورات واتّفاقها، ولا تعاكُسَها وتضادَّها، بل «حوارَها وتجادلَها». كما لا يشترط أُحاديَّةَ منابعِها، بل «تعدُّدَها»، ولا تماثلَها، بل «قبولَها مُخَالِفَاتِها ومُغَايِراتِها»، ولا انغلاقَها واكتفاءَها بذواتها، بل «انفتاحَها واكتمالَها بنقائضها»، ولا استبداديَّتَها بمُحاوِراتها، بل «إعطاء هذه المُحَاوِرات المساحة الكاملة للتعبير عن ذواتها»، ولا حقائقَها المطلقة، بل «تعدُّدَ الحقائق واحْتِمَالِيَّاتِها»، ولا الشكَّ بغيرها وحسب، بل «الشكَّ قبل كلِّ شيءٍ بشكوكها». وهو لا يشترط معنى النصر والهزيمة، بل «معنى الخَلْق والفاعليّة»، ولا الرجمَ والنقدَ الهدّام أو البنّاء، ولا المديحَ والإطراءَ أو القدحَ والذمَّ، بل «النقدَ بالتفكيك والتجميع والتحليل والتركيب، وبالقراءة والبحث والتفسير والتأويل…»

هذا ما أراه يوافق مفهوم الحوار بكونه «خَلْقاً»، وَفق مقولة: «مَنْ يحاورك هو كمَنْ يَخْلُق معك»، وعلى المبدأ «العَلايِلِيِّ» (نسبةً إلى الشيخ عبد الله العلايلي): «مَنْ ينقد عليك هو كمَنْ يؤلِّف معك». أمّا غير ذلك، فإنّه لا يسعني إلاّ أن أدرجه تحت ما درجت العامّة على تسميته «حِوار الطِّرْشان»!…

آدون المير

معماري وفنان تشكيلي وكاتب

يونيو 1997 (بتصرّف)

  • كُتب هذا النص في يونيو 1997 ولم يُنشر سابقاً.

تعليق واحد على: حِوارُ «الطِّرْشَان»!

  • avatar
    Comment by: nomaelmir

    اعتقد بأن تعبير “حوار الطرشان” هو تعبير موفّق لأننا نعلم تماما بأن الإنصات هو أهم شرط لإقامة حوار بنّاء. ولذلك فإن اقامة حوار يفتقد شرطه الاساسي هو ضرب من الجنون. إن الاشكالية هي اعمق من مجرد “انني لااريد ان اسمع” بل هي انني لااستطيع. انني اسمع نفسي فقط و تنتابني نشوة الانتصار على “عدوّي”. اتهم الاخرين بالغباء كما يتّهموني. وفي حال امتلكت سلطة ما اقوم باعتقالهم.
    الحل يكمن باعتقادي بتغيير المناهج التعليمية والبدء من جديد.

اترك رداً على nomaelmir إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *