إعلانات

التواصل الاجتماعي

دعمك من أجل استمرارنا!

إعلانات

إعلانات

الانتفاضات العربية وإشكالية المصطلح: ما هي الدولة المدنية؟!…

ينقل الفيلسوف الألماني «يورغن هابرماس» في كتابه «مستقبل الطبيعة البشرية»، الأصل الألماني (2005)، صفحة 21 – عن كيركيغارد قوله: «إنه لمن المضحك حقاً، والمبكي أيضاً، أن نكتشف كيف أن هذا الكم الهائل من العلوم والمعارف التي بين أيدينا وهذه الإمكانيات المتوفرة فينا لفهم الأشياء ليس لها أي سلطة أو تأثير على حياة الناس.»

ويعلق هابرماس في الصفحة نفسها من كتابه المذكور على كيركيغارد قائلاً: «إن الاعتراف الساخر بغياب العدالة عن العالم أو كبت هذه الحقيقة كبتاً مزمناً، لا يعبر عن عيب في العلم، بل عن «فساد في الإرادة البشرية»، فالأشخاص الذين قد تكون لديهم القدرة على تحصيل مزيد من العلم، لا يملكون إرادة الفهم.»

تنبع أهمية ما ورد على لسان كيركيغارد وهابرماس من كونه يقدم تشخيصاً دقيقاً لحالة من حالات الوضع البشري، ولكنه في الوقت نفسه يكتسب أهمية خاصة في ظل ما يعانيه الفكر السياسي العربي من تخبط في المفاهيم يدعو للقلق البالغ. فكثير من مصطلحات القاموس السياسي المفصلية باتت تُستخدم في السنوات الأخيرة على نحو أدّى إلى تغريبها عن مضامينها الفعلية، وساهم في تشكل وعي سياسي مزيّف لدى الإنسان العربي.

مصطلح «الدولة المدنية» هو أحد أبرز المصطلحات التي تعبّر عما يعانيه الفكر العربي السياسي من فوضى مفاهيمية في أيامنا هذه. فمنذ اندلاع الانتفاضات العربية والجميع يتحدث عن «الدولة المدنية»؛ في الخطاب اليومي وفي خطابات النخب السياسية والثقافية والفكرية على حد سواء. فما هو هذا الشيء الذي يتحدث عنه الجميع، وما هي دلالاته وأصوله التاريخية، إن وُجدت؟!…

للحصول على إجابة مقنعة، قمنا بعملية بحث مستفيضة عن معنى هذا المصطلح مستخدمين الكلمات المفتاحية المناسبة في اللغتين الألمانية (Zivilstaat) والإنكليزية (Civil State)، فلم نعثر على أكثر من ثلاثة سياقات تاريخية تم التطرق فيها إلى ما يُسمى «الدولة المدنية» أو إلى ما من شأنه أن يكون ذا صلة بها، وهذه السياقات هي:

  1. دولة المدينة أو «بوليس Polis» التي عرفتها اليونان القديمة أو بلاد الإغريق في الألفية الأولى قبل الميلاد. وهي دولة، أو الأصح دويلة، كانت تحكمها أرستقراطية إقطاعية، وكانت تقوم على مجتمع عبودي ينفي المرأة من الحياة السياسية كلياً ويضعها اجتماعياً وحقوقياً تحت وصاية الزوج أو الأب أو الأخ الأكبر سناً مدى الحياة؛ مدى الحياة، حيث لم يكن يحق لها الاستملاك، ولا يحق لها كتابة وصية، ولا اختيار الزوج. أما طبقة العبيد فكانت تتألف من أسرى الحرب وأولئك الذين فقدوا قدرتهم المالية على تسديد ديونهم. وتعتبر إسبارطة وأثينا وإنطاكية والإسكندرية من أبرز الأمثلة على نموذج «دولة المدينة.»
  2. دولة البلاط التي سادت في أوروبا العصور الوسطى وكانت تتكون من ثلاثة أجزاء رئيسية هي قلاع الأمراء والقطاع العسكري والقطاع المدني. ولأن القطاع المدني كان مكوناً من جماعات ترتدي هي أيضاً أزياء موحدة خاصة بها، فقد أُطلق على هذا القطاع مصطلح «الدولة المدنية» لتمييز أفرادها عن العسكر. وقد تميزت دولة البلاط بنظامها المركزي الصارم في إصدار الأوامر التي كان على الدولة المدنية أيضاً الامتثال لها. ولا يقتصر تاريخ دولة البلاط على العصور الوسطى فحسب، بل يمتد إلى الأزمنة الغابرة ليصل إلى مصر التي عرفت نماذج ذات أنظمة تقوم على معتقدات تيوقراطية.
  3. ورد مصطلح «الدولة المدنية» في كراس لجماعة الإخوان المسلمين السوريين التي تتخذ من لندن مقراً لها كانت نشرته على موقعها الإلكتروني الرسمي بتاريخ 19/12/2004. وقد حمل هذا الكراس عنوان «المشروع السياسي لسورية المستقبل: رؤية جماعة الإخوان المسلمين في سورية» وتضمن منطلقاتها الفكرية وبرنامجها السياسي. ولا يزال ما جاء في هذا الكراس يمثّل الرؤية السياسية للجماعة رغم مضي سبع سنوات على صدوره، لاسيما وأنه لم يصدر عن الجماعة حتى الآن أي تعديلات على رؤيتها السياسية التي طرحتها في الكراس المذكور. (راجع «مشروع جماعة الإخوان المسلمين في سورية» (ملف وورد)).

ورد في الكراس المذكور مصطلح «دولة مدنية» في الصفحة 31، حيث تقول الجماعة: «والخلاصة: إن الدولة الإسلامية دولة مدنية تتميز بمرجعيتها الإسلامية المتفتحة.» وبالرجوع إلى مواقع أخرى من الكراس يتبين للقارئ ما تعنيه الجماعة بتعبير «الدولة المدنية بمرجعيتها الإسلامية المتفتحة» فهي تقول في الصفحة 23: «تؤمن الجماعة أن الإسلام دين شامل لكل جوانب الحياة […] وتؤمن كذلك أن الإسلام لا يفصل الدين عن السياسة». ثم تتابع في سياق شرحها لمفهوم الدولة الإسلامية على الصفحتين 29 و 30 قائلة: «الدولة الإسلامية هي ما نطلق عليه الدولة (الحديثة) بالصيغة التي نقدمها في مشروعنا هذا، وليست بالدولة (الثيوقراطية) ولا هي بالدولة (العلمانية). […] فثنائية الاهتمام بالمعاش والمعاد هي أول مميزات هذه الدولة. […] باختصار فإن هدف الدولة حسب المنظور الإسلامي بناء الإطار العام للعيش الإنساني الكريم، في ظلال منهج الله سبحانه وتعالى […].»

ثم تضيف في الصفحة 94: «إن الجماعة تدعو إلى إقامة دولة حديثة، تكون الحاكمية فيها لله، والسيادة للقانون، والسلطان للأمة.» وتتابع في الصفحة 96 قولها: و «تسعى (الجماعة) في سياساتها القضائية إلى […] أسلمة القوانين تدريجيا» لأنها تعتقد «أن الشريعة المنزلة من عند الله رحمة للعالمين أرفق وأحكم وأرعى لمصلحة الناس أجمعين….»

بناءً على ما توصلنا إليه في بحثنا يجب القول، إن مصطلح «الدولة المدنية» لا يرد في المراجع الأكاديمية المعاصرة إلا في سياق الحديث عن التطور التاريخي لمفهوم للدولة، أي بمعنى دولة المدينة أو «بوليس Polis» ودولة البلاط واللتين لم يعد لهما سوى أهمية تاريخية. أما في كراس الإخوان سابق الذكر، فيرد هذا المصطلح كمرادف لمصطلح «الدولة الإسلامية». وهكذا، فإن الحديث والكتابة عن «الدولة المدنية»، كما هو شائع اليوم في الخطاب اليومي والإعلامي العربيين، هما أمران يثيران الدهشة والاستغراب ويتطلبان اليقظة والحذر والبدء بمراجعة نقدية في المجالين الثقافي والفكري لهذا المصطلح وما يحيط به من التباس وضبابية.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل نجح بعض منظري ومروجي فكر الإسلام السياسي بتمرير مصطلح «الدولة المدنية» – والذي هو في قاموسهم الإيديولوجي مرادف لمصطلح «الدولة الاسلامية» – إلى نسيج الخطاب اليومي، لتتلقفه الألسن والأقلام وتتداوله كأمر بديهي وهماُ منها بأنه يعني «الدولة الديمقراطية»؟!…

أ. الأمير

بروفيسور في العلوم العصبية المعرفية

تعليق واحد على: الانتفاضات العربية وإشكالية المصطلح: ما هي الدولة المدنية؟!…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *