إعلانات

التواصل الاجتماعي

دعمك من أجل استمرارنا!

إعلانات

إعلانات

ثورات أم التباس في المفاهيم؟!

فوضى المعاني هي سمة بارزة من سمات عصرنا الذي أطلق عليه الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار (1924 ـ 1998) مصطلح «عصر مابعد الحداثة»، وعبّر عنه الفيلسوف الألماني المعاصر يورغن هابرماس بمقولة «عصر أشكلة مفاهيم الحداثة والعمل على تجاوزها» في كتابه «الخطاب الفلسفي للحداثة: الحداثة مشروع لم يكتمل بعد».

وما بين مرحلة تفكيك المفاهيم الفلسفية الحداثية الراسخة، ومرحلة إعادة بنائها، هبت علينا ريح عاتية محملة بفوضى والتباس المعاني. مفهوم “الثورة” هو احد تلك المفاهيم التي دبت فيها الفوضى وحلّت بمصطلحها لعنة الالتباس، حيث أصبحت كلمة “ثورة” تستخدم اليوم جزافا في الخطابات اليومية والإعلامية والثقافية، حتى أنها باتت تطلق على ما حدث ويحدث من انتفاضات في المنطقة العربية، علماً أن تسميتها «ثورات» أمر يفتقر إلى الدقة العلمية، ففي ذلك استباق للأحداث ومغالطة مفهومية: لماذا؟…

الثورة – كما يحددها علم الاجتماع السياسي في الموسوعة العالمية للعلوم الاجتماعية والسلوكية في نسختها الإلكترونية لعام 2002 – هي تحول جذري سريع في بنية الدولة والمجتمع، مصحوب بانتفاضة جماهيرية تقودها النخب أو تحدث بصورة تلقائية، حيث يترافق هذا التحول بعملية تفضي إلى التحرر من البنى السياسية والاجتماعية المعيقة لحركة التقدم ونيل الفرد لحريته. أي أن الثورة بمعناها الحديث لا تعني إزالة النظام السياسي (اللاديمقراطي) القائم فسحب، بل تعني أيضاً البدء بـ “عهد جديد” تنتقل فيه المجتمعات المنتفضة من القدامة إلى الحداثة المعرفية عبر تشييد دولة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان المُعرّفة والمُطبّقة عالمياً.

تشير هانّا آرنت (Hannah Arendt) في كتابها الشهير “في الثورة on revolution”، الصادر عام 1963، إلى أن الثورة هي صيغة من صيغ العمل السياسي وشكل من أشكاله، وترى أن ما يحدد الجوهر الحقيقي للسياسة / الثورة هو موقفها من مسألة الحرية وقضية الاستبداد، وتفرق آرنت بين التحرر والحرية مشيرةً إلى أن إسقاط نظام حكم مستبد لا يكفي وحده، فصحيح أنه يقود إلى التحرر من الطغيان السياسي، ولكنه لا يفضي وحده إلى الحرية، فالحرية لا تتحقق من دون أن يتم تثبيتها دستورياً، وهذا لا يتم إلاّ في إطار دولة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. وبكلمة أخرى يمكن القول، إن آرنت تؤكد على أن الثورة لا تكون ثورة إذا لم تتمكن من اجتياز مرحلتيها بنجاح: مرحلة التحرر ومرحلة الحرية.

أما عالم الاجتماع الألماني الكبير ماكس فيبر (Max Weber) فيعتقد أن الثورة الفرنسية ما كان ليتسنى لها النجاح لو لم يسبقها إصلاح ديني وتغيّر جذري في طريقة التفكير السائدة. أي أن الثورة الفرنسية ما كانت لتنجح لو لم يسبقها فكر الأنوار الأوروبي بوصفه المخزون الثقافي – المعرفي الذي كانت تنهل منه. وفي هذا السياق يطرح نفسه سؤال لابد للمهتمين بالشأن الثقافي – الفكري العربي من الإجابة عنه: ما هو المخزون الثقافي الذي تنهل منه الانتفاضات العربية ؟!…

لم تستخدم كلمة «ثورة» بهذا المعنى الحديث إلاّ بعد قيام الثورتين الأمريكية (1779) والفرنسية (1789 – 1799). أما قبل ذلك فإن كلمة «ثورة revolution» – المشتقة من الكلمة اللاتينية «revolutio» – كانت تعني في لغات العصور الوسطى اللاتينية والألمانية والإنكليزية والفرنسية «العودة إلى نقطة الانطلاق الأصلية بحركة دائرية»، وذلك تيمناً بما جاء في كتاب «في حركة الأجرام السماوية» لكوبرنيكوس (1543). وقد لقيت هذه الكلمة رواجاً في مجال العلوم الطبيعية في بادئ الأمر، وفي عالم الأدب والمسرح فيما بعد، حيث أسقطها شكسبير في بداية القرن السابع عشر على الإنسان حين ترك بطله الشهير “هاملت” يصف الموت بأنه ثورة إشارة منه إلى أن الموت هو عودة الإنسان إلى حالته الأصلية.

أما في عالم السياسة، فقد تم استخدام كلمة «ثورة» لأول مرّة بعد اندلاع «الثورة المجيدة Glorious R» في إنكلترا سنة 1688 وإعلان وثيقة الحقوق «Bill of Rights» التي أكدت على ضرورة «عودة الأشياء إلى نقطة انطلاقها الأصلية» أو «عودة الأمور إلى نصابها» عبر تفعيل الوثيقة العظمى «ماغنا كارتا Magna Carta» التي كانت أبرمت بين بارونات انكلترا وملكها سنة 1215.

للثورة – إذاً – معنيان؛ أولهما معاصر بمعنى الثورة الفرنسية؛ أي «الإطاحة بما هو قائم وبناء عصر جديد»، وثانيهما قديم بمعنى الثورة الإنكليزية المجيدة؛ أي «إعادة الأشياء إلى نقطة انطلاقها الأصلية»، وهو معنى لم يعد له سوى أهمية تاريخية.

من هنا، يتبين أنه لا يصح في الوقت الراهن أن نطلق كلمة «ثورة» – بالمعنى الحديث للكلمة – على ما جرى ويجري من حراك شعبي في تونس ومصر وغيرها من البلدان العربية، بل الأجدر أن نسميه «انتفاضة جماهيرية» أو “«مشروع ثورة»، فهذه الانتفاضات هي مشاريع لم تكتمل بعد، ومازالت تشكل حالات مفتوحة على احتمالات شتى، من بينها العودة بالمجتمعات المنتفضة إلى الوراء على يد قوى سياسية ماضوية التوجه تحتل في أيامنا هذه حيزاً مهماً في الفضاءات السياسية لهذه المجتمعات، ولعل هذه القوى هي من يعمل على ترويج كلمة «ثورة» في المرحلة الحالية خدمة لإيديولوجيتها التي تنسجم مع المعنى القديم لمصطلح «الثورة».

لا يُراد من ملاحظاتنا النقدية في هذه المقالة نشر اليأس في النفوس من إمكان نجاح الانتفاضات العربية في التحول إلى ثورات، بل التحذير من التفكير الرغبوي وخطورة الانسياق وراء نظرة تبسيطية في التعاطي مع الحراكات السياسية الراهنة التي تشكل في حقيقة أمرها مظاهر مركبة ومعقدة. كما أن الغاية من هذه الملاحظات هي التنبيه إلى ضرورة إطلاق حوار فكري جاد يتناول ظاهرة الانتفاضات العربية من مختلف جوانبها بما في ذلك مآلاتها المحتملة.

أ. الأمير

بروفيسور في العلوم العصبية المعرفية

تعليق واحد على: ثورات أم التباس في المفاهيم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *