إعلانات

التواصل الاجتماعي

دعمك من أجل استمرارنا!

إعلانات

إعلانات

إيديولوجيا الأصولية الدينية وسيكولوجيا إقصاء الآخر

الأصولية الدينية – كما تُعرّفها الموسوعة العالمية التي صدرت بأجزائها الخمسة بين عامي (1991 – 1995) وحملت عنوان «المشروع الأصولي» – هي كل ايديولوجيا تدعو إلى تسييس الدين وإقامة نظام سياسي مبني على تعاليم إلهية. وفي حين أن الأصوليات الدينية غير الإسلامية تطالب بإقامة أنظمة حكم دينية في بلدانها فقط، فإن الأصولية الإسلامية تسعى إلى بناء نظام سياسي إسلامي في جميع أنحاء الأرض كبديل للنظام العالمي الغربي. (Martin Marty & Scott Appleby (Ed), The Fundamentalism Project (AmericanAcademy of Arts and Sciences), 5 Vol., Chicago 1991-1995).

الأصولية الإسلامية وتلاوينها

تنضوي الحركات الأصولية الإسلامية جميعاً تحت لواء ما يمكن أن نسميه «طيف الإسلام السياسي» الذي تصب تلاوينه كلها في مشترك إيديولوجي واحد يطالب بإقامة دولة الحاكمية. وتعد حركة الإخوان المسلمين السورية من أبرز تيارات هذا الطيف، وذلك على خلاف ما تدعيه في خطابها الإعلامي ويروج له عدد كبير من المثقفين بأن هذه الحركة قد غيرت من قناعاتها وأصبحت تؤمن بدولة القانون الديمقراطية والمواطنة وحرية الاعتقاد وحقوق الإنسان الأخرى. إذ أن تحليل منطلقاتها الفكرية بأدوات «علم النفس الحديث» يقدم لنا الدليل القاطع على أن حركة الإخوان هي حركة أصولية بامتياز، ويُثبت لنا أنها لا تختلف كثيراً عن غيرها من الأصوليات الإسلامية من حيث ما تُخفيه في إيديولوجيتها من ملامح مؤذية لصورة «الآخر المختلف» وما يمكن أن يترتب على ذلك من عواقب اجتماعية وخيمة.

إيديولوجيا الأصولية الإسلامية: الإخوان المسلمون مثالاً

يُعد الكراس الذي أصدرته جماعة الإخوان في لندن بتاريخ 19/12/2004 تحت عنوان «المشروع السياسي لسورية المستقبل: رؤية جماعة الإخوان المسلمين في سورية» (ملف وورد) أهم أدبياتها الحديثة، لأنه يتضمن منطلقاتها الفكرية ومشروعها السياسي ولم يصدر عن الحركة ما يخالفه أو يعدله حتى هذا الحين.

تقول الجماعة في الكراس المذكور:

«إن الجماعة تدعو إلى إقامة دولة حديثة، تكون الحاكمية فيها لله، والسيادة للقانون، والسلطان للأمة.» (ص 94).

«فالأمة هي مصدر الولايات،[…]. والسمع والطاعة للحاكم […] حق ذو وجهين مدني […]، وشرعي ينبع من طاعة الله […] ولذلك يبقى حق السمع والطاعة مرتبطاً بموضوع العقد وشروطه الأساسية […] (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) أي خارج إطار العقد المتفق عليه بين الحاكم والمحكوم.» (ص 31 / 32). و «تسعى (الجماعة) في سياساتها القضائية إلى […] أسلمة القوانين تدريجيا” لأنها تعتقد “أن الشريعة المنزلة من عند الله رحمة للعالمين أرفق وأحكم وأرعى لمصلحة الناس أجمعين…» (ص 96). و«تؤمن الجماعة أن الإسلام دين شامل لكل جوانب الحياة […] وتؤمن كذلك أن الإسلام لا يفصل الدين عن السياسة.» (ص 23 / 24).

ومع ذلك فهي تزعم بأنها لا تدعو «إلى دولة ثيوقراطية»، ولا تقبل «الشمولية التي تغلف الاستبداد البشري بالمقدس الديني، فمصطلح الثيوقراطية مشتق من الكلمة اليونانية (Theokratia) وهي للتوضيح كلمتان : الأولى كلمة ثيو، وتعني إله، والثانية كلمة قراط وتعني الحكم. فترجمتها العربية إذن (حكم الله) ولكن في استعمالها الشائع، فإن المصطلح يقصد به (حكم رجال الدين). وهو شكل من أشكال الحكومات المسيحية الغربية، التي كان يحكم فيها الدولة قسيس، أو كاهن أو مجموعة قساوسة، ويكون فيها لرجال الدين سلطة في الأمور المدنية والدينية.» (ص 23 / 24).

يؤكد هذا النص بصورة جلية، أن هذه الجماعة تتبنى إيديولوجيا الحاكمية وتسعى إلى إقامة دولة على أساسها. أما زعمها بأنها ترفض الدولة الثيوقراطية، أي دولة «حكم رجال الدين» لأنها تقوم على «الشمولية التي تغلف الاستبداد البشري بالمقدس الديني»، فيدخل في إطار التلفيق المفهومي والتضليل الفكري، ويدل على استخفاف خطابها بالذكاء البشري من خلال قول الشيء وعكسه في الآن ذاته، وهو ما يميز جميع الخطابات المتناقضة مع ذاتها والمفعمة بالفوضى الفكرية. فالدولة التيوقراطية ليست حالة تاريخية ذات أبعاد زمانية ومكانية ودينية وحسب، بل هي في المقام الأول مفهوم وأنموذج عابران للمكان والزمان والأديان، فالدولة الثيوقراطية هي كل دولة تُرجع تجليات الوجود البشري كلها إلى مبدأ واحد يصدر عن الإله. فدولة الإخوان التي يسعون إليها ــ إذن ــ هي دولة ثيوقراطية بامتياز؛ إنها دولة «حاكمية (رجال) الإخوان المسلمين».

كما أن حركة الإخوان «تفرق […] في التعامل بين العقيدة والعبادة، والشريعة، فالعقيدة والعبادة تؤخذان جملة واحدة، أما الشريعة فالأصل في إبلاغها للناس تطبيقها في واقع الحياة التدرج، وكما أن عرى الإسلام تنقض عروةً عروة ــ أي تدريجياً ــ فإن العودة إليها يجب أن تكون كذلك، فنقل الناس إلى الانضواء من جديد تحت لواء الإسلام في تنظيمه الشامل لحياة الناس يقتضي التدرج في التطبيق.» (ص 25).

النص يتحدث هنا، وبصورة لا تقبل التأويل، عن أن هذه الحركة سوف تقوم ــ إذا تسنى لها استلام السلطة السياسية ــ بأسلمة شتى فضاءات الحياة. فهل الحاكمية غير ذلك؟!…

ثم تتابع الجماعة قائلةً: إن «الدولة الحديثة التي نطالب بها، أو نسعى إليها […] هي دولة تعاقدية تقوم على الاختيار الحر المعبر عن إرادة الأمة […]. و(التعاقدية) السياسية كانت هي الأساس الأول في منظومة الفقه الإسلامي النظري والعملي. ولكن هذه الحقيقة غابت أو غيبت تحت ركام (الملك العضوض) الذي انحرفت إليه دول ما بعد الخلافة الراشدة، نؤكد في هذا المقام أن (التعاقدية) بوصفها أساسا شرعيا لاختيار الحاكم هي موضع إجماع فقهي، وطرفا العقد في مسألة الإمامة هما: الإمام من جهة، والأمة ممثلة في أهل الاختيار من جهة أخرى.» (ص 32)، مشددةً على مبدأين أساسيين من مبادئ الحاكمية: مبدأ تجهيل (من الجاهلية) الدول الإسلامية التي قامت بعد تاريخ انتهاء عهد الخلافة الراشدة، أو ما زالت قائمة حتى يومنا هذا؛ ومبدأ أن الدين هو أساس الدولة والأمة، وليست الأرض واللغة والثقافة ودستور البلاد، وأن من يمنح السلطة للحكومة في أي دولة إسلامية هم أهل الاختيار، أي أعضاء الهيئة العالمية لعلماء المسلمين حالياً (من أفغان وشيشان وصوماليين وباكستانيين وأتراك وغيرهم من الجنسيات). وهذا ما يفسر، بالطبع، فتاوي كبير (علمائهم) التي دعت إلى إسقاط الحكم في تونس ومصر، وتدعو الآن إلى إسقاطه في اليمن وليبيا وسوريا. وما تجدر ملاحظته هنا هو ذلك الرباط الإيديولوجي المتين الذي يشد حركة الإخوان إلى ما نظّر له السيد قطب في كتابه «معالم في الطريق» مثلاً، مترجماً أفكار أبيه الروحي «أبو الأعلى المودودي» التي لخصها في كتيبيه «منهاج الانقلاب الإسلامي» و«نظرية الإسلام السياسية».

مبدأ الحاكمية وآلياته السيكولوجية في رسم ملامح الذات والآخر

يعمل مبدأ الحاكمية الذي يشكل جوهر الإيديولوجيا الأصولية الإسلامية وفق آلية تفضي في نهاية الأمر إلى إضفاء القدسي على البشري (الأحاديث والتراث) ودمج الإلهي بالبشري سيكولوجياً، فتتحول الحاكمية الإلهية إلى حاكمية بشرية ويتحول رجال الإخوان المسلمين ــ مثلاً ــ من «حراس المقدس» بحسب تعبير «ماكس فيبر» إلى حراس مقدسين يمتشقون سيف الحقيقة المطلقة بيمينهم ويحتمون بترس العصمة عن الخطأ بيسارهم. ولأن الحاكمية تقوم في جوهرها على مفهوم الاستخلاف والتكليف (الكراس السابق، ص 15 / 16)، وترى أن مرتبة الشخص تقتصر «على المسلم الأرثوذكسي المذكر الحر المكلف.» (محمد أركون: مفهوم الشخص في التراث الإسلامي، مجلة فكر ونقد، عدد 9، مايو/أيار 1998، ص 9)، فإن الكائن البشري من منظورها لا يكون شخصاً إلا إذا كان مؤهلاً للتكليف، وكان حراً بالمعنى الذي تحدده الحاكمية وتؤمن به جماعة الأخوان، فالحرية كما تراها الجماعة هي «شرط التكليف في الدنيا ــ […] لقد ضمن الإسلام حرية الفكر والعقيدة […]، باعتبار أن التعبد لله يحرر الفرد من أي عبودية لأي إنسان مهما علا مقامه» (كراس الجماعة الذي سبق ذكره، ص 16). أي أن الإنسان من منظور الإخوان، وأسوة بالسيد قطب وأبي الأعلى المودودي، لا يمكن أن يكون حراً أو ينال حريته، إلا من خلال ممارسته لطقوسه العبادية التي ينص عليها دستور هذه الجماعة، وليس من خلال التثبيت الدستوري لحقه في تقرير مصيره والتعبير عن رأيه واختيار عقيدته، كما تنص على ذلك الوثيقة العالمية لحقوق الإنسان وجميع دساتير البلدان الديمقراطية.

من التنميط السيكولوجي إلى الإقصاء الاجتماعي

ولا تحتمل «الحاكمية» مبدأ المواطنة الذي يشكل أساس الدول الحديثة دستوراً وتطبيقاً، فهي بحكم طبيعتها، وتبعاً لنظرية الهوية الاجتماعية (Social Identity) لتاجفيل وتورنر (Tajfel & Turner) المعروفة في علم النفس الاجتماعي (Social Psychology)، تشطر المجتمع وتقسمه إلى مجموعتين: «المجموعة الداخلية (Ingroup)»، وهي هنا فرقة الإخوان الناجية، و«المجموعة الخارجية (Outgroup)»، أي الفرقة التي تضم باقي أفراد المجتمع. وباعتبار أن المجموعة الداخلية (فرقة الإخوان الناجية) هي من تملك الحقيقة سيكولوجياً، فسيكون من حقها ــ وفقاُ لنظرية الهيمنة الاجتماعية (Social Dominance Theory) ــ أن تتسلط اجتماعياً على المجموعة الخارجية، وأن تمارس حقها (الإلهي) في التصرف بحياة الآخر المختلف (اللاشخص/اللاإنسان).

حاكمية الأصولية الإسلامية تعني إذاً، أن تكون شخصاً أو لا تكون، أن تكون إنساناً أو لا تكون، أن تُفتح بوابة بيت الفرقة الأصولية الناجية للإنسان وأن تُوصد في وجه اللاإنسان. وهكذا يتم استبعاد المرأة، لأنها ناقصة عقل ودين (راجع كراس مشروع الإخوان، ص 50 / 51)، والمسيحي لكونه ذمي، ويتم إقصاء المسلم العادي غير الأصولي، والمسلم الذي ينتمي للأقليات المسلمة لعدم أهليته للتكليف.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن أهم ما حققه الفكر التنويري الأوروبي من خلال ثورته الفرنسية (1789 ــ 1799)، هو تجريد الكنسية من الحق الذي منحته لنفسها في التصرف بحياة الناس، لأنها كانت ترى أن الحياة هبة إلهية وأن من حقها ــ بوصفها ممثل الرب على الأرض ــ استرجاع هذه الهبة متى شاءت عبر محاكمها التفتيشية. أما الحقوق الأخرى التي حصل الإنسان والمواطن عليها بفضل الثورة الفرنسية فقد انبثقت كلها عن حقه في الحياة بعد أن أصبح هو نفسه يشكل مصدر هذا الحق.

وما تطالب به الحاكمية الأصولية وتسعى إليه، هو نقيض ما دعا إليه فكر الأنوار الأوروبي وحققته الثورة الفرنسية فيما بعد. ففي الوقت الذي تتستر فيه الأصولية بصيغتها الإخوانية خلف خطابها الإعلامي الذي يرفع شعارات الديمقراطية والمواطنة والحرية، فإنها تسعى في حقيقة أمرها إلى إقامة دولة «الحاكمية» التي تنفي وجود الآخر المغاير (اللاشخص/اللاإنسان) سيكولوجياً، وتشطر المجتمع سوسيولوجياً على النحو الذي أتينا عليه.

خلاصة

يبدأ إقصاء الآخر عادة بفكرة أو صورة تُغرس تربوياً واجتماعياً في ذهن الإنسان، فتكمن في رأسه لتُفصح عن نفسها في الأزمات المجتمعية العميقة بأشكال مختلفة تصل أحياناً إلى حد التطهير العرقي أو الديني أو الطائفي. وتاريخ الحضارة البشرية – من منظور علم النفس ــ هو تاريخ ترويض الثقافة للغرائز العتيقة، وتاريخ المساعي الإنسانية المتواصلة لتحسين الثقافة وجعلها أكثر قدرة على ترويض الوحشي في البشري، وهو أيضا تاريخ الصراع بين الثقافة المروِّضة للغرائز والثقافة المكرِّسة والمثيرة لها.

وكما عرفت البشرية نماذج متنوعة من النظم الثقافية المكرسة للغرائز، مثلاً الإديولوجيا الفاشية بما فيها النازية الألمانية، فإنها تشهد اليوم صعود نموذج جديد منها. إنه «إيديولوجيا الأصولية الإسلامية» التي تقود بحكم قوانينها الداخلية إلى «أبلسة» الآخر سيكولوجياً، فتجريده من سماته البشرية اجتماعياً، ثم حشره في دائرة الاستهداف الجسدي. فهذه الثقافة تعمل، إذا ما تم استبطانها سيكولوجياً، على إطلاق نزعات تدميرية مطمورة في لاوعي الإنسان ترمي إلى تقويض البيولوجي وتفكيكه إلى عناصره الفيزيائية الأولية؛ في الذات عبر الانتحار أو في الآخر عبر القتل.

أ. الأمير

بروفيسور في العلوم العصبية المعرفية

تعليق واحد على: إيديولوجيا الأصولية الدينية وسيكولوجيا إقصاء الآخر

  • avatar
    Comment by: nomaelmir

    فكرت في البداية بكتابة تعليق ولكنني لم اجد سوى مكتبته ادناه فعذرا
    “وكما عرفت البشرية نماذج متنوعة من النظم الثقافية المكرسة للغرائز، مثلاً الإديولوجيا الفاشية بما فيها النازية الألمانية، فإنها تشهد اليوم صعود نموذج جديد منها. إنه «إيديولوجيا الأصولية الإسلامية» التي تقود بحكم قوانينها الداخلية إلى «أبلسة» الآخر سيكولوجياً، فتجريده من سماته البشرية اجتماعياً، ثم حشره في دائرة الاستهداف الجسدي. فهذه الثقافة تعمل، إذا ما تم استبطانها سيكولوجياً، على إطلاق نزعات تدميرية مطمورة في لاوعي الإنسان ترمي إلى تقويض البيولوجي وتفكيكه إلى عناصره الفيزيائية الأولية؛ في الذات عبر الانتحار أو في الآخر عبر القتل”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *