عن قراءات

التواصل الاجتماعي

دعمك من أجل استمرارنا!

الإيمان والإلحاد في عصر «المعجزات» التكنولوجية

لربما لم تكن الإنسانية غبية قطّ كما هي عليه الآن في عصر الثورات التكنولوجية التي بدأت ترسم معالم سلوكنا اليومي، فرغم المعجزات التي نشهدها في أنظمة الاتصال والتواصل والوسائط التكنولوجية المستخدمة في زمننا المعولم سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا، يمكن للمرء من دون أدنى تردّد أن يضفي على الإنسانية ملامح ومزيّات تتوافق مع واقعها الحالي إلى حد بعيد، بدءًا من تمحور الفرد حول ذاته وتمركز «أناه» وتماهيها في فضاء من وسائط الإعلام المتعددة (الملتيميديا) وأجهزة الاتصال المحمولة، مرورًا بغياب «الفانتازيا الاجتماعية الخلّاقة»، وصولًا إلى الاعتقاد بالماورائيات والظواهر «ما فوق الطبيعية»، وانتشار التدين والسحر والشعوذة والتنجيم والروحانيات بصورها المختلفة؛ وذلك في تناقض صارخ مع ما يتيحه لنا هذا العصر المعلوماتي من فرص للإفادة من المنجزات التكنولوجية والمعرفية العظيمة من خلال الإنترنت والمدرسة والجامعة والمكتبة وغيرها من قنوات المعرفة.

بالطبع ومن المنظور الإنساني الأساسي، لم نكن قبل اليوم متقدمين تكنولوجيًّا إلى الدرجة التي نحن عليها الآن قطّ، ولكن السؤال المشروع هو: ما الذي استطاعت «الطبيعة البشرية» بميلها إلى الميتافيزيقيا والتفسيرات السحرية للعالم والخرافة والسطحية أن تقوم بفعله في عصر «المعجزات» التكنولوجية هذا؟

علينا الاعتراف بأننا نعيش في حالة ذهنية كارثية ليس من البسيط الخروج من سطوتها؛ فبدلًا من أن نصدر المعرفة والاعتدال الديني والفكر العقلاني والعقلانية التنويرية، نغرق في عوالم من السحر وضروب من الأرواح والأشباح والنماذج المتعددة للماورائيات بما فيها النموذج الإلهي بالطبع. وبدلًا من أن يتمكّن الإنسانيون والأناركيّون والماركسيون وغيرهم من ناقدي الماورائيات من ممارسة حريّتهم في استخدام العقل وإظهار تناقضات ولاعقلانية الهذيان والخَدَر اللذين تنتجهما طقوس الأديان وشعائرها و«كتبها المقدسة»، فإنهم يعيشون جدِّيٍّا تحت خطر محدق بهم في أماكن كثيرة من هذا العالم اللامتوازن. وهكذا فإننا نصبح شاهدين صامتين على مفارقة معرفية عجيبة تكمن في أن كل ما حققناه من خطوات على طريق التقدم التكنولوجي الذي لم يكن ليشهد النور لو كان مصير التكنولوجيا والمعرفة والحضارة بيد القديسين والأنبياء، أصبح أداة بيد رجعية معادية للحرية تستخدمه كيفما تشاء بهدف نشر الغباوة الجمعيّة التي نعيشها.

ولا بد لي هنا من التأكيد على أنني شخصيًّا لا أرى في الحقيقة أية مشكلة كبيرة سواء سياسيًّا أو إنسانيًّا مع أفكار الناس الشخصية واعتقاداتهم الخاصة بالروح والبعث والخالق؛ بل على العكس تمامًا، فهناك أشخاص عديدون من بين هؤلاء أُكِنّ لهم الاحترام وأعتبرهم أصدقاء حميمين، فهم مؤمنون ولكن إيمانهم لا يقوم على أن «الإله هو الشر»، على حد تعبير ميخائيل باكونين (Mikhail Bakunin)، فالشر الإلهي يتجلى كظاهرة جمعية مدمِّرة أولًا وآخرًا عندما يختلط الإيمان بالتطرّف والتعصّب و«الآيديولوجيا الدينيّة» والسياسة والسلطة.

والسبب البسيط لهذه الظاهرة هو بالطبع أن المرء بزعمه أن هناك سلطة إلهية تساند سلطته وموقعه وتمنحهما الشرعية، فإنه يملك الحرية المطلقة ليفعل ما يشاء ويقوم بما يرغب تجاه «الآخر الكافر» الذي فقد قيمته ككائن بشري جراء قلة إيمانه بالخالق أو لأنه يؤمن «بالإله الخاطئ»، هذا «الآخر» الذي أصبح من منظور الكتب السماوية وغيرها من الكتب والمخطوطات المقدسة الأخرى، كائنًا «أدنى من الإنسان» بالمعنى الدقيق للكلمة، تمامًا كما كانت النازية تطلق على من لم تكن تعترف بنقاء عرقه، فهو ليس عديم القيمة البشرية وحسب، بل إنه كائن يهدد النظام الإلهي والعدالة الإلهية، تنظر «الربوبية» إليه – بصرف النظر عن الرب المقدس الذي يمثلها – على أنه «رجس» لابد من إقصائه وتدميره وقتله. أجل، بهذه البساطة يمكننا إذا أردنا أن نقرأ كلًّا من التوراة والإنجيل والقرآن والمرمونيات والبوذيات وغيرها من «الكتب المقدسة». فهكذا يبدو العالم من منظور الأصوليين الدينيين، مقسّمًا إلى قسمين من غير رجعة: نحن وهم، المؤمنون والكفار، أولئك الذين تنتظرهم أنهار الجنة وخيراتها، وأولئك الذين سيُصْلَون في نار جهنم إلى أبد الآبدين.

متى أَعُدْ بذاكرتي إلى أيام الشباب يلُحْ أمامي مشهد تلك الخيمة الكبيرة بلونها الأبيض المشوب بالرمادي التي كانت تُنصبُ في مواسم الاحتفالات الدينيّة، حيث كان لدى الجموع فرصة الإصغاء لنوع خاص من الموسيقا والخطابات الوَعظيّة التي كان يلقيها رجال دين لم يتركوا مناسبة إلا واستفاضوا فيها بالحديث عن كل ما في السماء من نِعم وفي الجحيم من عذاب. كان من بين أولئك الخطباء «مُبشِّرٌ» سليط اللسان لم يتوانَ لحظة في تقديم الوعود لنا بالأجر الذي ينتظرنا في الفردوس بدءًا من «العذراوات» وصولًا إلى أنهار النبيذ والعسل وغير ذلك من الخيرات. وأما بخصوص الفتيات والنساء، فهل كنَّ من جانبهن سيحظين بـ «فتيان عُذريّين» أم لا، فذلك لم يكن ليذكر بأية طريقة من الطرق، فقد كان عليهنّ الاكتفاء وهنّ شاكرات بأولئك القديسين الشهوانيين الذين وهبهنّ إياهم القدر، وأكثر من ذلك فلم يكن هناك ذكر حتى لقليل من الرحمة تجاه أولاء العذراوات المسكينات اللواتي كان ينتظرهن «ألم البكارة» ليقاسينَه المرة تلو الأخرى وإلى ما لا نهاية…

قد تكون تلك اللحظة بالضبط هي اللحظة التي شعرت فيها لأول مرة بنفوري الحقيقي من هذه الاجتماعات الخاصة بإيقاظ الروح الدينية، ولكن لا بد لي من أن أعترف بأن مسحة خفيفة من الشعور بالتسلية والمرح انتابتني بلا ريب من مرة إلى ثلاث مرات في مطلق الأحوال، وبالطبع إلى أن بدأت أدرك أن أولئك الشبان الذين كانوا يرتدون بزّاتٍ أنيقة نسبيًّا كانوا في الحقيقة يعتقدون بكل ما كانوا يقولونه ويقصدونه بالمطلق، وذلك بوعي كامل منهم وعلى نحو متعصّب ومتطرّف للغاية!

وإذا كان لدى العامة من المتديّنين، المتزمّتين منهم والمعتدلين (سواء في حياتهم اليومية أو في طقوسهم وشعائرهم الدينية)، أية تصورات عن أنهم وفي أسوأ سيناريوهات التسلّط الديني، لن ينجرفوا يوم الحساب مع حركة ارتداد الأمواج برفقتنا نحن الملحدين والأناركيين والشيوعيين والإنسانيين، فإنهم بطبيعة الحال مخطئون تمامًا. بل على العكس فهم على الأرجح سيُنظَر إليهم على أنهم الآثمون الأكثر سوءًا وذنبًا بين الجميع، فقد كانوا مؤمنين ولكنهم لم يتّبعوا «إيمانهم»، بل عاشوا حياتهم بطريقة لا تختلف من حيث الجوهر عن الطريقة التي عاش بها أصدقاؤهم وجيرانهم الملحدون.

بطبيعة الحال أتمنى وآمل أن ما كتبته في الفقرات السابقة لن يكون في نظر القارئ سوى نوع من الهراء والهزل الخالصين، وأن الحرية والديموقراطية رغم كل البؤس الذي تتعرضان له ستظلان تتقدمان بخطوات ثابتة في عالمنا حاضرًا ومستقبلًا.

الآن وفي هذه اللحظة التي شرعتُ فيها للحصول على فترة راحة مع وجبة خفيفة، شعرتُ وكأنّ ضربًا من «كتابة الطلاسم» أو «الضرب بالمندل» رافق كلماتي التي كتبتُها، عندما شغّلت التلفاز على صفحة الأخبار في القناة الرسمية النرويجية وقرأت الآتي:

«يتعرض الملحدون والإنسانيون والمفكرون الأحرار لتمييز واسع وشامل في أرجاء كثيرة من المعمورة، ويواجهون عقوبة الإعدام في العديد من البلدان جرّاء تعبيرهم عن آرائهم؛ فالإلحاد محظور بموجب القانون في بلدان كثيرة حيث الاعتقاد الديني واجب وفرض على كل مواطن.»

بكلام مختصر: الجحيم هنا على هذه الأرض وفي هذه الحياة المعيشة، ولا شيء في السماء سوى المادة؛ نجوم وثقوب سوداء ومذنبات وكواكب وهلمّجرّا… ونحن البشر لسنا في المنظور الكوني سوى غبار كأي غبار آخر. نتحرك.. نفكر.. نؤمن.. نعتقد.. نقصد.. نفعل.. نعمل.. كل ذلك خلال «لحظة» أو «ومضة» وحسب، ومن ثم كلّ شيء يصبح سرابًا، فلماذا لا نثمن ونشكر هذه «الومضة» التي لا نملك غيرها؟!

إنغار كْنُدْتسِنْ Ingar Knudtsen

روائيّ وكاتب وأحد روّاد الواقعيّة العجائبيّة وأدب الخيال العلميّ في النرويج. له قرابة ثلاثين كتابًا بين رواية وقصّة وشعر وأدب تاريخيّ ودراسة. الموقع الرسمي للكاتب

الترجمة إلى العربية

كونسبشن Conception – القسم الإعلامي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *