عن قراءات

التواصل الاجتماعي

دعمك من أجل استمرارنا!

العقل والرصاص (الجزء الأول)

الأدمغة بين محكمة الظلام وأزمنة الهلام[1]

إنها دعوة لا يدعي صاحبها ابتداعها، ولا ابتكارها، ولا التفنن في صياغة لغتها وبلاغتها، ولا تزيين أسلوب عرضها وزركشته. إنها دعوة إلى الحوار المعرفي، إلى الجدال والتعارف. دعوة عقل لعقل وفكر لفكر وكلمة لكلمة. دعوة جاوزت التحريف والتزييف والتمويه، وآثرت المساهمة في التنوير والتبيان والبحث والكشف عن الحقيقة بمنهجية موضوعية تستند إلى العلم والواقع والتاريخ. دعوة توجهت إلى القارئ والكاتب والمفكر، وقبل كل شيءٍ إلى «المثقف» بالمفهوم الكوني للكلمة، أي الفرد الذي يعمل على إشغال العقل عن طريق الدرس والتفكير وتحصيل المعارف بقصد «الفهم»، سواء أكان تلقّى تعليمًا مدرسيًّا أم لا. دعوة يطلقها داعيها بدافع واجبه الأخلاقي كإنسان، من أجل العمل على كل ما من شأنه أن يوسع آفاق المعرفة أمام العقول الموهنة، ويدفع الطغيان عن العقول النيرة التي ما تزال تعاني هجمات قوى ظلامية هدامة، تعرقل كل مسوغات التحرر والحرية: «تحرر الإنسان وحرية الفكر والتفكير والإبداع».

إنها إقبال إلى من أقبل بقدر ما هي إقبال إلى من أدبر، وهي تذكرة لمن نسي أو تناسى أو تجاهل مثلما هي تعزيز وتأكيد لمن يعرف ويتذكر. دعوة لا تبغي الحديث عن امرئٍ أو آخر هجاءً وقدحًا وذمًّا أو مديحًا وإطراءً، بل تنشد الحوار المعرفي بين عقل وعقل كلاهما يساهم في الإلقاء والتلقي بآن معًا.

لن أنهج فيما أدعو إليه وأتحدث به، منهجًا سجاليًّا يفصل الفكر عن الواقع فيبتسره ويجزئه، ويتخذ من الجزء مشكلة مستقلة معزولة بالتضخيم والتهويل بغية جرّ القارئ إلى مزالق استلاب النص، فيبتعد عن القراءة الصحيحة والتمعن الهادئ والدقيق فيه، ويصاب بالشطط والخدر فينزاح عن الرجوع إلى المصادر المعتمد عليها ما أمكن، بل إنني سأقوم باتباع منهج نقدي موضوعي يتيح للعقل أن يباشر عمله بكل استقلالية، ليصل إلى قراءة سليمة يتناول النص من خلالها كما يتراءى له فيقتنع به أو لا يقتنع، يقبله أو يرفضه بكامل حريته، وذلك وفق شروط الحوار المعرفي التي تنشد الحقيقة العلمية والعقلانية والموضوعية. وستتحقق رغبتي في أن يقوم القارئ، بما وصل إليه من تطور، بالمشاركة الفاعلة اللامنفعلة، والمعطاءة بقدر ما هي آخذة. بعبارة أُخرى: إنني أتوجه إلى القارئ كمتلق إيجابي مشارك لا كمتلق سلبي محايد لا موقف له.

ينفهم النقد في أنه التحليل الدقيق الواعي والصريح للشيء، وتفكيكه وتقسيمه وتجزيئه، ثم إعادة تركيبه وتوحيده وربط أجزائه، بهدف رؤية مواطن الضعف والقوة، الوضوح والغموض، المعقول واللامعقول، ومن ثم تفنيد الخطأ والركاكة والهشاشة، وتقويم الاختلال والاهتزاز، وبيان الصواب بالكلمة الحق والمنطق السليم. فالنقد حوار معرفي خلاق، نقاش سجالي وجدال، تعارف وتخاطر وتخاطب، إنه حوار وإنتاج عقلي، وهو بشقيه الموضوعي والذاتي غاية للتجدد الدائم، وضرورة معرفية وحاجة جوهرية للعقل، ودافع لارتقائه وتطوره. إنه خطوة مهمة وملحة لا بد منها لنهضة كل ثقافة بما فيها الثقافة العربية.

لكن النقطة الجديرة بالأهمية لا تكمن في مدى انتشار «النقد» أو انحساره في الساحة الثقافية، بل أيضًا في الكيفية التي يتم بها التعامل معه كمفهوم أولًا وكآلية معرفية ثانيًا. فالغالبية منّا تتناول النقد هجاءً أو مدحًا، تجريحًا وتعدادًا للعيوب، إطراءً وتعدادًا للمحاسن، تزييفًا للحقائق وتحريفًا للواقع، إسفافًا للقول وتسطيحًا للموضوعات؛ واقعة تحت وطأة التعصب والعقل القياسي، مندفعة بالتزمت والقوالب الجامدة والأحكام الجاهزة والفكر الأحادي والرؤى الدوغمائية؛ متقوقعة ضمن نزعات شخصية ونزوات نرجسية لا تعوق كل فعل إيجابي فحسب، بل تقوم أيضًا بدور هدام يعرقل وظيفة «النقد» كحوار عقلاني يساهم في بناء وتقدم الفكر والتفكير وتحررهما.

لم يأت فقر الساحة النقدية للمنهجية الموضوعية والعلمية من فراغ، فالوضع الثقافي الراهن في مجتمعاتنا هو نتيجة ظروف «سياجتصادية» تعيشها هذه المجتمعات على جميع المستويات. ولست هنا بصدد نقاش هذه الظروف المعقدة والشائكة التي أفرزت، وما زالت تفرز، واقعًا معيشًا هو في حقيقة الأمر مُنتَجُ (بفتح التاء) واقع سالف له، يسيطر عليه من حيث البنية والجوهر.

هذا الفقر أدّى إلى تغييب ديموقراطية الحوار وتقييد حريته، فهزلت موضوعيته أمام المد الهائل من مركّبات النقص تجاه الآخر وتزايد العقول الحائرة من جهة، وهجمات الآيديولوجيات الإقصائية، في سياق هذه المرحلة المتردية سياسيًّا على الأخص، على المشاريع الفكرية الداعية إلى حرية التفكير؛ سعيًا منها إلى فرض المزيد من القيود على عملية التحرر من إسار رفض الآخر من جهة ثانية.

نحن بحاجة اليوم إلى حوار نقدي موضوعي ديموقراطي حرّ، حوار يحترم الناقد فيه المنقود بتبادليتهما، كما يحترم الملقي فيه المتلقي بتبادليتهما أيضًا. وخصوصًا في هذه المرحلة التي تتناطح فيها الأقلام مشرقة مغربة، مدججة بفظاظة الطرح وركاكة الحجة – مرحلة تسيطر عليها عقول أسيرة لثقافة العنف والانتقام وحبيسة لعصبية الرأي وشخصنة المسائل وربيبة للحقائق القياسية المطلقة والآيديولوجيات الكونية الفقيرة.

وليسمح القارئ الكريم لي بأن أستشهد ببعض ما قاله الشيخ عبد الله العلايلي، صاحب الأعمال الكبرى في نقد علم اللغة العربية في عصرنا: «المعجم الكبير»، «المرجع»، «أين الخطأ»، «خديجة الكبرى». فالشيخ العلايلي يعتبر أن «من ينقد عليك هو كمن يؤلف معك، ومن ينقد عليك هو كمن يعمل معك» .[2] وهو يتعامل مع القارئ كمتلق فاعل، له في الأخذ ما له في العطاء: «وأنا حين أقول القارئ لا أعني متلقيًا نصيبه في الأخذ دون نصيبه في العطاء فالقارئ بما انتهى إليه تطوره، وبما انفتح عليه من حاجات، هو الذي يملي فيريك وجهة المسير، ويضع خطة الطريق.».[3] والمطلق غير قابل للأخذ، فالقضية من قضايا العقل محلولة كانت أم مفسرة تبقى مسألة خاضعة لعمل العقل المستمر. إن الإطلاق والتعصب والتزمت لمظاهر قادرة بالضرورة على إفقاد الصراع الفكري روعته وجلاله: «ولكم كان موفقًا المنطقي القديم، يوم أطلق على القضية المحلولة أو المفسرة من قضايا العقل، كلمة «مسألة ومسائل». لكأنه يشير إلى أنها بالحل أو بالتفسير لم تنته، وإنما ابتدأت محلًّا لعمل العقل المستمر، وعلى هذه السنن مضيت أؤكد أن سبيلي هو العرض الخالص لجملة من التقديرات، دون ما تحكم لأني أعده إغفالًا للعقل العام وتغريرًا بالأفئدة المتفتحة، ودون ما تحد، لأن الصراع الفكري يفقد روعته وجلاله في عصبية الرأي ونزعات الشخصية.»[4]

العقل يقف أمام امتحان صعب، فهو بحاجة لأن يثابر ويعلن استقلاله ويحاور ويناقش ويقرر ويقاوم، لا بالخضوع لجموده وضلاله واستبداده وتسلطه وتعصبه، وإنما بالبحث في ذاته وفيما يحيط به وباحترام معرفة وقدرة ما هو خارجه. ولكن لماذا امتحان صعب؟ أولًا لماذا هو امتحان؟ لأن العقل بكونه «عقلًا» منوط بمواجهة المسائل والإشكاليات وفق العمليات والتحولات المتعددة والمتنوعة سياسيًّا وثقافيًّا وفكريًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، والعقل العربي يقدّم مثالًا نموذجيًّا على ذلك بامتياز. وثانيًا لماذا هو صعب؟ لأن معوقات وموانع العقل – بكونه «عقلًا» أيضًا – تتعدد وتتضخم وتتضاعف ويزداد حجمها وتتنوع أشكالها ومضامينها وتضطرم نار سعارها وتتكشّف عدوانيتا بصورة لم يسبق لها مثيل. وهنا أرجو من القارئ الكريم أن يسمح لي بإزالة الغمامة عن صورة هذا الامتحان الصعب، من خلال عرض بعض المسائل بجوانبها الوصفية التقريرية والتحليلية على حدٍّ سواء. وهذا ما سأتناوله في الجزء الثاني.

آدون المير

معماري وفنان تشكيلي وكاتب

هوامش

[1] نُشر هذا المقال لأول مرة في مجلة الناقد الصادرة عن رياض الريس للكتب والنشر، العدد 67، كانون الثاني 1994، السنة السادسة.

[2] مجلة الفكر العربي، العدد 72، نيسان /حزيران (أبريل / يونيو)، 1993 السنة 14 /2. «النقد والعقل النقدي»، «من ينقد عليك هو كمن يؤلف معك»، الشيخ عبد الله العلالي، ص 9.

[3] المصدر السابق، ص 10.

[4] المصدر السابق، ص 17.

تعليق واحد على العقل والرصاص (الجزء الأول)

  • avatar
    Comment by: SAMAR

    من ينقد عليك هو كمن يؤلف معك، ومن ينقد عليك هو كمن يعمل معك»
    الموضوع كله رائع ليتنا نستطيع ان نصل لهذا الرقي في الحوار كمن يبني معك…..بانتظار الاجزاء القادمة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *