عن قراءات

التواصل الاجتماعي

دعمك من أجل استمرارنا!

زِحامٌ لُوغارِيتْمِيٌّ

تجتاحني «سيتوبلاسما» المرحلة، فأستقيل من وجودي الفيزيائي لأحرر رأسي من اقتراف الفهم، وأغزو الكسل وأحتلّ النعاس وأسبي الركود وأغتصب الوهن، كي أرتكب موتي المؤقت وأطيله بعيدًا عن «ضمير المتكلم» الذي قد يؤنبني وينفيني إلى مكامن اليقظة «الأَنَوِيَّةِ». أريد أن «أكون»… سِحنةً أَمْ بادِرَةً شبحيَّةً أَمْ سَمْتَ حقيقةٍ من غمامٍ أَمْ بقايا صدىً تغرق في زِحامٍ أَمْ تفاصيل عصرٍ من هلامٍ أَمْ ظلَّ ظلامٍ أَمْ تضاريسَ خفيَّةً في خارطة؛ لا فرق! أريد أن «أكون»… أريد أن أستعيد «أنوثتي» فأتَطَهَّرَ من «الخطيئة» حتّى «أكون»…

أريد أن «أكون» لأحيا أوان الفشل من غير أن أعترف به أو أتراجع عنه أو أهرب منه أو أقيم فيه أو أتطلَّع إليه أو أصغي له أو أتمرَّد عليه. أُجيِّشُ ندائي الصامت وأشحنه بالحماسة لأجرؤ على الانسحاب نحو شاطئ من ضباب أرجواني الهوى سديمي القوام، فأنجح في أن أهيِّئَ وليمة من مستقبل لتاريخٍ ليس «هو» بعدُ. لا منبعَ لي، فأنا الأصل الأصيل البعيد الرؤوف الحنون المستدام السرمدي المتواري خلف أَلْسُنِيَّةِ أفقٍ فينوسيِّ الأثر! أريد أن «أكون»! بعنفواني الأريجيِّ وعضويتي الجنينية وابتسامتي البِكْر… لن أستقيل من رحيل غرائبي ولن أنتمي إلى معركة من رائحة البحر الربيعية ابنة البرد وحبيبته. لهذا المحيط مأثرته العجيبة ولغته «الكحلية الزرقاء» وسبيله الزَّبَدِيُّ الخالص.. وملحمة المهَجَّرين ومأساة المهاجرين… أريد أن «أكون»!

أنا الماء النقي ولوني لونه وطهارتي طهارة النار ورائحتي أزكتها سنبلة من «هذه الأرض»، وأنا الطريد المشرد التائه الحالم الطائع العاجز القصي الغريب المغترب المحنط المقربن الهارب السقيم المفكك إلى عناصري الأولية، وأنا الولد العاق المتمرد الرافض «السَّلِيبُ الـمُشْتَهَى» الـمُرَكَّبُ من معادن «اللاأرض». أريد أن «أكون»، لأحتفل بأمس لم يَئِنْ أوانُه: «لو أنَّ الفتى حجرٌ!». أريد أن «أكون»… أنا سارق الطحين ولصلاص أبواب الأرامل وخليل زوجات الأباطرة وظل العابرين وإمام المنجمين وشيخ المرائين وسيد المنافقين. وأنا «الفتى» الأسود بعد الـ «لو»! وأريد أن «أكون»؟!… كلّا، أريد ألّا «أكون».

صياغة موطن جديدةٌ، وأرض غزاها وهجَّر أصحابها نسل من «اللانسل»، ونظرية التكاثر الهندسي، وأجيال الرمل، وتصحُّر الغد، وعودة إلى سلف أغراه القَتْل، وبعث مواضٍ لم يقصِها الموت، ودهماء الدم، وترهُّل رومانسيّة ثوريّة، وحروب رِدَّةٍ، وحقائق «الارتياب النسبي»، ومجدُ المنافقين، وسلطان المهرِّجين، وغياب الفواصل بين أجزاء زِحامٍ لُوغارِيتْمِيٍّ: «تلك هي المسألة!»… وأريد أن «أكون»؟!… أجل، أريد أن «أكون» أخِيلَ بلا «كعبٍ» ولا «مؤنثه»!… أريد أن «أكون»، وما أنا سوى حبة رمل لم تستطع ولن تستطيع حتَّها تيَّارات مائهم الكوثري الفاسد! لا جسر العبور يرهبني ولا أناشيدهم «التلمودية» الخرقاء، ولا «راءاتهم» الحمقاء، بترقيقها وتفخيمها، ولا قلقلات قافهم أو طائهم أو بائهم أو جيمهم أو دالهم، صغراها ووسطاها وكبراها، فكفِّي اليمنى تحمل سنبلة، وكفِّي اليسرى هي «بسملة» النور – نور قلبي، لا «النور» الذي تقول به لغتهم الجوفاء. «سأريد» أن «أكون» – «ربًّا» ترهبه اللغة و «لغة» لا ربَّ لها وأبجديّة أزلية سيخشاها ربُّ أبجديتهم الوضيعة. «سأريد» أن «أكون»… أريد أن «أكون»!

منابر الكذبة الكبرى ومَسْرَحُة الانتصارات وجوهر الـمَلَكَات الزائفة وأغاني الربيع المبتذلة، وكواليس وأدوار وأسرار وأخبار وألغاز، وحبال من القِنَّب المسروق ورائحة خشب رطب وثياب ودكاكين أقمشة ملونة وهستيريا النصر التي «هي» هزيمته. من المدِّ إلى الجَزْرِ ومن الجَزْرِ إلى المدِّ، ومن التقدُّم إلى التراجع ومن التراجع إلى التقدُّم، ومن ثقالة السماء إلى خروج جاذبية «نيوتن» عن نَظْمِها؛ أكفى بالحياة أن تُعاش؟… لا، أريد ألّا «أكون»…

غزارة موت وغزو مكثف الإنتان رخو القوام فائض عن رجس البيولوجيا يستعمر أدمغة النمل لتخربها كيميائيته الفاسدة. لا هو إلاه: خطاب ذات ارتجالية، وبديهة رمل، وقناع طواويس الملفى الأخير، وربيع «يجمِّل…» أنين الخريف، ورداءة مأثرة الغياب. لا بحر في زمن الجليد، ولا ماء خلف البراكين. كل الأوان رائحة دم استباحه وحي التكاثر. لا تسألنَّ الميتَ عن موتِه فقد يحلو موتُه لمن لا يريدُون موتَه. أأنا الشهيد أم أنا قتيل المرائين في زمن النفاق؟ أريد أن أكون…

أوليغارشية الأخلاق ولوغاريتمية زحام ودهماء القتل وصحراء… نقطة دم وأخرى وثالثة ورابعة وخامسة الطيف المتجانس كأنما لا سماء من غير دم مُشرعَن… شريعة الذبح وحثالة الثقافة وزمن معتوه كأنبيائه وغزو فرانكشتاني على أرض طاهرة وجحافل أورومغولية تدمر السين والواو والراء والياء والألف الممدودة وخراب التمرد على الشيفرة الوراثية وأعداء الحياة… أريد ألا أكون! ؛ فشرُّ الحُبِّ براءةُ القلبِ وخَيرُهُ وجعُ الفؤاد…

يا أيُّها الرحمن الرحيم العزيز الغفار الوهاب الرزاق الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الجليل الكريم المجيب الحكيم الودود الحق الحميد المحيي العفو الرؤوف النافع النور الهادي البديع الرشيد الصبور الجميل القريب الراشد الواقي البار الحافظ المعطي الصادق المنير الجواد الخلاق الرازق الرفيق الشاكر الصاحب الطيب الطهر الأعلى الغافر الكفيل المعين المنعم المفرج المعافي المُطعم الناصر غافر الذنب قابل التوب فارج الهم الحنان الأكرم المحب النصير واسع المغفرة المغيث المحسن الغياث الوافي! أأنت أنت؟! إن تكن أكن، وسنكون!… فيا شبحي ابك كي تذوب روحي في فنجان قهوة اشتاق لضيف شبحي ولم ينته صنعه بعد! سنكون!…

لم تنته العتمة من صنع بريق من لهب، ولا قلبي من ترميم معبده القديم، ولا عناصر المكان من الحيد عن إحداثياتها الديكارتية، ولا أنا من علاج هوية الرمز الرياضي في منطقٍ هو ابنُ الكلامِ المطيعُ. ترجَّل عن حصانك أيها المحارب الإغريقي الكئيب الشريد المغترب، وتنبَّه لأخيك الطروادي الحزين النبيل المسالم، فلربما اتسعت سوريالية الصقيع البصرية لكليكما أو لبعض شيء من دفء صمتك أو صمت دفئه. كان لي قلب، والآن لي نصفه أو شبهه أو بعضه أو كلّه لمـّا يكون رهين عزم عطالته…

سأكون!…

آدون المير

معماري وفنان تشكيلي وكاتب

  • بُني هذا النص على فكرة نص آخر كُتب عام 1990 ولم يُنشر سابقاً.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *