عن قراءات

التواصل الاجتماعي

دعمك من أجل استمرارنا!

مناخٌ باردٌ من التّعب

1

تبدأ الحكاية وقت تدهمني احتمالات التّحوّل قاضيةً على محيطي الأكسجينيّ.. أختنق، فتشرع أحلامي في طقوسٍ جنائزيّةٍ..
تتحنّى الأفكار عليّ لتوقظني من سباتي السّرمديّ، لكنّني آبى الخروج من شرودٍ غزاني فأقتـلها..

أتيه في صحراء لم أكن حلمت بها قطّ.. باردةٌ!.. يتلاشى الزّمن الفاصل بين الرّأس والجسد.. ترتادني أصداءٌ مجهولةٌ، ورؤىً تبحث عن مرايا تعكس أفقًا من شواطئ بعيدةٍ..

في أوانٍ متوقّعٍ، ولكنّه مفاجئٌ وصاعقٌ، تتحوّل مراياي إلى وقودٍ يؤجّج البواطن، ورؤاي إلى أحصنةٍ تجمح؛ فتتجسّد لي من البعيد صورٌ لشموسٍ متوسّطيّةٍ. صورٌ تتبخّر في الحال، وتكشف عن صورة عالمٍ متماثلٍ من السّيتوبلازما!

من هذا المكان العقليّ، ومن هذا الزمان الفضّيّ للنّبض، ترتكب القصّة بدايتها بحنقٍ، عبر مناخٍ باردٍ من التّعب.

جيشٌ من الشّتاء يحاصرني!…

جلبةٌ وضوضاء ضبابيّةٌ.. صهيلٌ بعيدٌ ووقع حوافر ناءٍ.. أجيج بحرٍ وضجيج سكونٍ.. إيقاع جازٍ متمرّدٌ، ونغمٌ أندلسيٌّ.. فضاءاتٌ شبحيّةٌ دهماء تفيض بأطيافٍ تدبدب كالنّمل، وأفكارٌ تنسلّ من كلّ اتّجاهٍ..

حلمٌ أدهم يرقرق عينيّ؛ فتغشيهما حواجز ليليّةٌ تمنعني عن الانفلات من أسر اغترابي، ومن المسار الحرج لأجزاء الكيان!..

رجلٌ بلا رأسٍ، رأسٌ بلا جسدٍ..
رجلٌ بلا جسدٍ، جسدٌ بلا رأسٍ..

2

لآذار فيّ لغةٌ أخرى من النّبض، لا أجرؤ على ترجمتها..
تلك الّتي تحملني من جحيم اغترابي إلى فضاءٍ تكوّنه شياطين العقل..

بداية الفصل الختاميّ.. صباحاتٌ واجمةٌ لا تنجلي.. هواجس البحث عن الأمان، وعن حبٍّ كان انتهى يومًا ومضى..
تراتيل الجسد المتحرّر من قيود الفيزيولوجيا.. نسغ الحياة المتكثّف.. تفسّخ الذّاكرة العضويّ..
فانتازيا الوجع إثر مواجهة الحقيقة.. توسّلات الاستغاثة.. غياب الغد في صيغة التّرنّح، وصلاةٌ أخيرةٌ لنبضٍ يتباطأ جهارًا..

3

لم يقف العقل عند حدٍّ فاصلٍ بين العجز عن الكلام وبين القدرة عليه..
ولا عند حدٍّ فاصلٍ بين اتّقاد الشّعور وخمول النّبض، ولا بين تدفّق الحسّ وصمت الشّرايين..

العقل موجب الخضوع لواقعٍ يجحف بالخلايا العصبيّة..

سقطت أزمنةٌ لمصلحة أخرى، وحضاراتٌ لمصلحة أخرى، وتواريخ لمصلحة أخرى..
وما زال زمن التّلاعب بالبلاغة اللّغويّة يسود!..

الخطابة مخزن الكلام الحمق!..

ما أكثر التّعب الّذي يولّده الخذلان عندما تخفق مغامرة الحلم، وتتوارى.. وما أبرده حين تغادر الآمال أوطانها الّتي خيّبتها.. وحين تصبح اللّغة سرير الكلام الأبله، ويغدو الكلام ضربًا من الجهل.. ووقت ما تسود الزّمان الغباوة؛ فيتأرجح العقل، ويتردّد في طلب الحقيقة، دافعه إلى التّمرّد والرّفض، إلى النّكران والحركة، إلى البحث عن معاني الأشياء.. ما أبرده آن يكون الحلم الجنون عينه، فلا يسهل الكلام، بل تتفجّر الأفكار في الدّاخل، ونحو الدّاخل فحسب!..

4

أن أكون هنا ليس كما أن أكون هناك، والمسافة لا يمكن أن تتراءى عبر سذاجة الجغرافيا؛ فالبعد أوسع من بلاهة الخرائط، وهو يتعدّى بساطة اللّغة، واسطة الكلام العاديّ.. إنّه يتحرّك في فضاءٍ آخر من التّعب.. وليس للشّيء نفسه معنىً واحدٌ ومفهومٌ واحدٌ في فضاءين مختلفين.. الهنا هو الهناك والهناك هو الهنا هناك، والتّواصل هو درجة «الحنين» الحرجة وقت تغدو الأكوان كلّها شتاءً..

5

ما أصعب العجز عن فكّ الحصار المضروب حول فوضى الدواخل!.. وما أقسى انتفاضات الكيان بحثًا عن خلاصٍ! أوهل يمكن للكتابة أن تكون خلاصًا؟ لقد علّمتني الحياة أنّ حرّيّة التّفكير هي العتق من إسار الفكر، وأنّ التّفكير لا يكبت من الخارج وحسب، بل من الدّاخل أيضًا. فهل يمكن للكتابة والحرّيّة أن تتساويا آن تبدأ الأفكار عصيانها؟ الكتابة هي انعكاس النّبض والوعي بآنٍ معًا، وإنّي لأخشى الحدود المقفلة والأماكن الباردة، فما أصعب «الحنين» الفاشل!

وما أصعب هجيج الذّات من الذّات إلى الذّات!..

6

لآذار فيّ صورةٌ أخرى من «الحنين»، لا أجرؤ على قراءتها..
فهذا الشّتاء باردٌ، وهذا الكون باردٌ، وهذا الزّمان باردٌ..
وكلّ شيءٍ باردٌ..

هذا المناخ باردٌ.. كلّه تعبٌ!

آدون المير

معماري وفنان تشكيلي وكاتب

صيف / خريف 1996 (بتصرّف)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *