عن قراءات

التواصل الاجتماعي

دعمك من أجل استمرارنا!

زمن الديناصورات!… الذهنيات السائدة: خضوع للتيار… وانسلاخ عن العصر! (الجزء الثالث)

7. الديناصور الآيديولوجي الإطلاقي (Le dinosaure idéologique généralisateur)

من جملة ما يميّز العقلية الإطلاقية أنها تنبني على مبدأ قائم على إخضاع الأزمنة والأمكنة كافة لتطبيق نظرية ما أو فكرة ما أو مقولة ما. من هذه الزاوية تظهر الآيديولوجيا – بوصفها إطلاقية – في صيغة تعميمية لا تعير اهتمامًا للظروف الموضوعية في الزمكنة المعنية بها. ومن هذا الموقع فإن ما يعنيني هو «الإطلاقية» (La généralisation) المميزة لهذه الآيديولوجية أو تلك، بغض النظر عن الآيديولوجيا بمفهومها العام كنسق من الآراء والأفكار والنظريات، وبغض النظر عنها أيضًا كجزء من الوعي الاجتماعي (La conscience sociale)، على رغم تقوقع الكثير من الآراء والأفكار والنظريات في صيغ إطلاقية تعميمية.

بكلام مختصر: إن ما يعنيني في النهاية هو الذهنية التي تعتنق وتتعامل مع آيديولوجيا معينة، فهي القادرة من خلال موقعها على تأكيد إطلاقية آيديولوجيتها أو على نفي هذه الإطلاقية، بمعنى أن معايرة الذهنية الإطلاقية تنحصر في قدرة الذهنية المعنية على تحقيق المرونة التي تتيح لها الانفتاح على الواقع، والمعرفة الدقيقة لمعطياته وظروفه الموضوعية للتمكن من التعامل مع القضايا جميعها بعقلانية تبتعد نهائيًا عن أحاديّة الفكرة (Monoïdésime) والأفكار أو الأحكام المسبقة (Les préjugés).

تنغلق عقلية الديناصور الآيديولوجي الإطلاقي على ذاتها دون التطلع إلى الخارج، فتبدو العمليات داخلية محضةً، وتتحول الآيديولوجيا إلى آيديولوجيا كونية غير قادرة على تقبّل أية أفكار ومعطيات تناقض محتواها، وتغدو رؤية العالم أحادية الجانب «دوغمائية (Dogmatise)»، ويتحول نسق الأفكار والنظريات والآراء إلى قالب متصلب غير قابل للخروج من دوامته الكونية. وبذلك تصبح هذه الآيديولوجيا ويصبح منظروها مقدّسات ومحرّمات (Tabous) تندرج تحت قائمة المحظّر والممنوع والمحرّم، ومن غير الممكن مساسها ليس بالنقد والتخطيء فحسب، بل حتى بالمناقشة العلمية والحوار الديموقراطي. كل ذلك عبر مجموعة من الطواطم والتابوات العقلية (Les totems et tabous d’intellectuels) القادرة على نسف أية حالة عقلانية للمحاكمات العقلية الممكنة.

عبر هذا النمط من ضيق الأفق يظهر الديناصور الإطلاقي في حالة من الدونية (L’infériorité) تجاه منظّري آيديولوجيته، ومقيّدًا بمجموعة من الأفكار الكونية غير القابلة للحوار والمناقشة، ومنساقًا بأحكام قَبْليّة دوغمائية، وعدائيًا تجاه مخالفيه الرأي، ومباحثاتيًا ومؤامراتيًا وتخوينيًا تجاههم أيضًا، ومنسلخًا عن واقعه، ومنقرضًا من عصره، واتهاميًا وتطرفيًا، وعاطفيًا وانفعاليًا، في الآن ذاته. كل هذه الصفات والتمايزات تتفاقم عنده بتفاقم إطلاقية آيديولوجيته، رغم تنوع أصنافه واختلافها تبعًا للآيديولوجيا المتَّبَعة، فمنه الديناصور الإسلامي (Islamique) ومنه الماركسي (Marxisant) ومنه القومي (Nationaliste) ومنه الوطني المتطرف (Chauvin) ومنه الطائفي المذهبي (Confissionnel) ومنه العرقي (Racial) ومنه الفاشي (Fasciste) وغيرهم…

8. الديناصور النرجسي (Le dinosaure narcissique)

حب الذات (L’amour d’essence) أو النرجسية حالة طبيعية غريزية موجودة لدى كل إنسان من حيث اعتداده بذاته وحفاظه عليها وحبه لها.

المشكلة التي سأطرحها لا تتعلق بالحالة السابقة من حيث طبيعيتها، وإنما تتعلق بتحولها إلى شكل تفاقمي يشكل أساسًا لبنية صاحبها «النفسية – العقلية»، هذه البنية التي تنتج طريقة من التفكير محورها الأساسي والأوحد هو الذات وصفاتها، ومنطلقها في كل شاردة وواردة هو هذه الذات وصفاتها أيضًا. وبذلك تنطلق رؤية العالم والواقع من زاوية واحدة وثابتة هي: الـ «أنا»، لنجد أن الـ «أنا» عند الديناصور النرجسي متضخمة إلى أقصى درجاتها، وتظهر من خلال هذا التضخم تركيبته «النفسية – العقلية» القائمة على قناعته المطلقة بأنه سيّد الكون ومقياسه الوحيد، نبيّ الأنبياء وربّ العارفين.

إنه لا يقبل التخطيء أو المعارضة، ولا التشكيك في صحة آرائه وأفكاره ومقولاته، بل إنه لا يعير الآخرين أدنى اهتمام، وفوق ذلك فإنه حتى لا يراهم، وإذا ما اضطر إلى التعامل معهم «من حيث الإطار الاجتماعي». فإنهم لن يكونوا وآراؤهم في نظره سوى مجموعة من الرعاع المحكومين قدريًّا بسوية دنيا على الأصعدة كافة وفي مختلف المجالات. ليس ذلك فحسب بل إنهم «في حالة متقدمة من نرجسيته» لن يصبحوا – ربما – سوى ضفادع أو جرذان أو حشرات. أما هو فإنّه في المقابل يغدو نبيًّا مرسلًا يقيم بنيانه «النفسي – العقلي» ضمن هالة من القدسية والألوهية، فلا تخرج من فيه كلمة زائحة ولا يكتب قلمه عبارة خاطئة وأفعاله تبقى في قناعته صحيحة بالمطلق، وأما الخطأ فملغي من قاموس «أناه»، فإذا ما قوبل بالتخطيء مرة فإن مغالطة كونية تكون قد حدثت.

يظهر هذا النموذج من التفكير سائدًا بكثير من الوضوح في مختلف الزمكنات، وهو ليس متوقفًا على الفرد دون الجماعة، وليس متوقفًا أيضًا على فرد وجماعة دون فرد آخر وجماعة آخرين. إننا نصادفه عند المثقفين النخبويين والآيديولوجيين المتشددين الكونيين والمتدينين المتطرفين البدائيين والعاملين في الحقول الإبداعية والأكاديميين بقدر ما نصادفه عند الشرائح المختلفة في المجتمع، بغض النظر عن تجليات الـ «أنا» المتنوعة تبعًا للشريحة التي ينتمي إليها، فالمغزى هو شيوع هذه الذهنية التي لا تفرق بين الأقصى والأدنى من حيث هيمنتها حتى على الأطراف المتناقضة المتضادّة.

9.الديناصور الفصامي (Le dinosaure schizophrènique)

يظهر هذا الصنف منطويًا على ذاته، مندفعًا بتأثير تيار من التجول الذهني في عالم الخيال (L’imagination) والوهم (L’illusion) ليظهر عنده عدم اتساق بين المزاج والفكر، من خلال تصرفات متناقضة وأفعال متعاكسة (Actions contradictories)، فتنتفي بدورها النواظم والضوابط العقلية أو النفسية «حسب الحالة المسيطرة»، لاغية – من خلال هذا الانتفاء – التوازن الذاتي لديه.

غير أن هذا الصنف يتميز بتعددية أشكاله تبعًا لدرجة الحالة المصاب بها، ولكنه بصورة عامة يتميز بميزة أساسية هي ازدواج الشخصية (Dédoublement de la personnalité)، وهنا لا أريد أن أقدم تفسيرًا طبيًا علميًا اختصاصيًّا، لأنّني لست في موقع المختصّ الذي يخوّلني للقيام بهذا التفسير أوّلًا، وثانيًا لأنّ هكذا تفسير لا يعنيني فيما يخص المشكلة المطروحة. من هنا فإنّ ما يهمّني هو ازدواج الشخصيّة بحدّ ذاته، ثمّ تبيان حالة فقدان التوازن على الصّعيد الذّهني لهذا الأنموذج، حيث إنّ ذهنيّته تنبني على نواظم غير متسقة ولا مترابطة ومتناقضة، بعبارة أصرح: ذهنيّة فصامية أو فكر فصامي يمكن لحظهما بوضوح في سلوكيات وممارسات الكثير من الأفراد والجماعات على حدّ سواء.

عبر هذا الإطار، وعلى سبيل الذكر لا الحصر، يمكن للماركسي أن يظهر إسلاميًّا وللأخير أن يغدو ماركسيًّا، كما يمكن للعصراني أن يظهر سلفيًّا وللسلفي أن يغدو عصرانيًّا، وهكذا… كل هذه التحولات والظهورات المتباينة تجري خلال لحظة زمكنية واحدة. فإسلامية الماركسي لا تفصلها أية زمكنة عن ماركسيته الأصلية، وسلفية العصراني لا تفصلها أية زمكنة عن عصرانية الأصلية، وهلمّ جرّا… وذلك وفق حضور وغياب نمطين متناقضين بالتناوب.

وبذلك نلحظ عدم وجود اتّساق ذهني بين الفكر والمزاج من حيث أن الحالات المتتالية تباعًا تخضع لنوع من المزاج الفكري النّاشئ عن خلل في التوازن النفسي.

إن مشكلة ازدواج الشخصية لاتقف عند الحد الموضح سابقًا، بل يمكن لها أن تتعداه إلى حالة تعددية الشخصية (Pluralise de la personnalité)، لتنشأ عن ذلك ذهنية متقلبة قلقة تتخبط في فوضى عقلية – نفسية، تؤدي إلى تضاعف الخطورة الناشئة عن هذا الأنموذج من الذهنيات، فيما يخص سلوكه وانعكاسات هذا السلوك على الآخر. ووقتها يظهر صاحب الذهنية الفصامية التعددية قوميًّا حينًا، وماركسيًّا حينًا آخر، وإسلاميًّا حينًا ثالثًا وشوفينيًّا، وهلمّ جرّا… لنصل بذلك إلى صنف ذي درجة متقدّمة وهو الدّيناصور التعدّدي (Le dinosaure pluraliste).

10. الديناصور العصراني «الغربوي» والديناصور الأصولي – السلفي «الشرقوي» (Le dinosaure moderne et le dinosaure ancestral)

«القلب للشرق والعقل للغرب!».. «روحانية الشرق وعقلانية الغرب!»…

الصيغة التوازنية التي يعتمدها الصنفان «العصراني والسلفي»، وهذا ما دفعني إلى إدراجهما في صنف واحد على رغم تضادّهما شكلًا ومضمونًا من حيث المبادئ النظرية الأساسية. إلا أنهما – في الحقيقة – ينتميان إلى ذهنية واحدة، وإلى منهج واحد في التفكير. تعتمد هذه الذهنية على مبدأ الطبائع الثابتة (Les natures stables)، وينطلق منهج التفكير من قاعدة الصفات المتأصلة السرمدية.

من هنا تنقاد العقلية العصرانية بوعي زائف وباعتقاد وهمي ثابت وكوني فحواه: إن العقلانية والعلم والتقدم والتحضر والترقي، حكر على الغرب و«الغرب» فقط. وفي المقابل: إن التنغّم بألحان الربابة، والتمنع برائحة البخور، والراحة في الجلوس على الأرض، والروحانية والتصوف والزهد، حكر على الشرق و«الشرق» فقط. تقوم العقلية العصرانية على مركب نقص وعقدة دونية (Complex d’inférorité) تجاه الغرب، فحضارة الغرب بمفرزاتها كافة وبنتائجها الإنسانية واللاإنسانية، تهيمن على هذه العقلية التي تحاول بدورها الانقياد لهذه الهيمنة والخضوع لها قلبًا وقالبًا، ثمّ ترفض الشّرق الذي تراه متخلفًا ومنسلخًا عن العصر. ولا بدّ لي من التوضيح بأن ما أقصده بالذهنية العصرانية يختلف اختلافًا جوهريًّا عن «الذهنيّة العصريّة» التي تعبّر عن الالتصاق بروح العصر دون قطيعة مع الماضي بمعنى آخر: إن الذّهنية العصرية تتمثل عصرها وفي الوقت نفسه تحتوي ماضيها «تراثها» وتتعامل معه وفق مناهج علمية تتبنّى التحليل والفهم العلميين للتّاريخ.

على الجانب الآخر يقف الديناصور السلفي الأصولي مقابلًا للعصراني، ومعتمدًا المبدأ ذاته الذي يعتمده العصراني «مبدأ الطبائع الثابتة»، إلا أن الرؤية من موقع السلفي تختلف، انطلاقًا من الذهنية السلفية التي تدعو إلى الرجوع إلى الأصل والأسلاف، والتي تريد أن تسحب ماضيها بمجمله وبأدقّ تفاصيله على حاضرها وعصرها، بمعنى ثانٍ هي تُحتوى بماضيها وتنسلخ عن عصرها ملهَمَة بأملها في الحفاظ على روحانية الشرق وتصوفه وتلقائيته اللاعقلانية، من خلال تحويلها لهذه الصفات إلى مقدّسات وثوابت ألوهية يجب الخضوع لها لأنّها الكمال المطلق في كل زمان ومكان.

11. الديناصور التوفيقي (Le dinosaure conciliatoire)

ليس من المفاجئ «في ظل النقائض والأضداد من العقليات» أن تبرز على ساحة الصراع عقلية تصالحية تخصّ نماذج من الديناصورات المرجئة التي تحاول التوفيق والمصالحة فيما بين النقائض أولًا، وفيما بين الأطراف المتنازعة ثانيًا، لذلك فهذه النماذج تدعو إلى الأخذ بالوسط في الأمور والأشياء كلّها، وإلى التوليف والتوفيق بين مسائل متضادّة من المستحيل اجتماعها، غير أن هذا النموذج من الذهنية لا يعرف المستحيلات، فهو يدعو لأخذ ما يناسب من «كذا» ولانتقاء ما يلائم من نقيض هذه الـ «كذا» بحيث يتم استخلاص مزيج سحري قادر على إرضاء الأطراف كافة.

عبر ذلك يتبدى الديناصور التوفيقي في حِلّ من أي معيار أخلاقي لقياس التصرّفات والسلوكيات البشرية، وعليه فإنه يظهر انتهازيًّا وصوليًّا (Machiavélique) يمارس نوعًا من التهذيب المفتعل ونوعًا من الإصلاح النبويّ من خلال الالتفاف حول لبّ النزاع وأساسياته بأسلوب ديماغوجي للوصول في النهاية إلى صيغة تلائم المتنازعين والمتصارعين جميعهم، ومما لا شكّ فيه أن هذه الصيغة لا تعبّر إلاّ عن نوع من الموقف التنازلي اللّاإرادي «القسري» تجاه الإيجابيات تحديدًا، فهي – أي هذه الصيغة – في واقع الأمر صورة تجميلية أو تزينينة للسلبي من الأمور تحاول الالتفاف والتمويه على التنازل القسري تجاه الإيجابي، ليظهر الديناصور التوفيقي ختامًا في سحنة المصلح المتفاني والواعي لحقيقة كلّ الأطراف ونزاعاتها.

12. الدّيناصور الموضويّ (Le dinosaure à la mode)

حرصًا منّي على الابتعاد عن أي لبس في التسمية يمكن أن يحصل عن طريق الخلط وعدم التفريق بين الدّيناصور الموضوي والدّيناصور العصراني لا بدّ لي من التأكيد على الفرق الجوهري بينهما، فذهنيّة العصراني تنبني كردّ فعل على عقد النقص المتراكمة لديه تجاه الغرب المتقدّم، أمّا في ما يتعلّق بذهنيّة الموضوي فإنّها تنبني كردّ فعل «انتهازي – وصولي – انهزامي» على الحالة السائدة ضمن الواقع المحيط بصاحب هذه الذهنية.

تقوم الذهنية الموضوية على آلية محددة ثابتة (Automatixe stable) من حيث المبدأ، وتتغير بتوال زمنيّ وفق الصيغ التي تتخذها، وهي تنشأ من صلب الحالة السائدة في الواقع المحيط، وللردّ على هذه الحالة في الوقت ذاته. ومن هنا فإن صاحبها يمارسها ويبنيها وفق ما يقتضيه التيار وباعتبار رئيسي للشائع والسائد في المجتمع بضيقه واتساعه وبما يحتويه من علاقات متنوعة ومتعدّدة. وبذلك يتبدّى هذا الأنموذج أنموذجًا من أكثر النماذج انتهازية ووصولية وحتى انهزامية ودونية، وبذلك فليس مما يدعو إلى العجب أن نراه يسير وفق المبدأ الماكيافيلّي (Machivaélisme)، ممّا يظهر هشاشته من خلال البنية «النفسية – العقلية» اللّامتوازنة وغير المستقرّة.

في ظلّ هذه الأجواء لا يمكن أن نُفاجأ إذا ما وجدناه يطلق شعارات الحرية والعدالة والمساواة مرة، ويصبح ماركسيًّا متشدّدًا مرة أخرى، وقوميًّا متعصّبًا مرة ثالثة، وشوفينيًّا مرة رابعة، وإسلاميًّا، وأصوليًّا متطرفًا، ومذهبيًّا، او مندّدًا بكل الآيديولوجيات داعيًا إلى زمن اللاآيديولوجيا، وهلمّ جرّا…. لا يمكن أن نفاجأ – في الحقيقة – لأنّه من الطبيعي أن تنتج عن هذه البنية الذّهنية – النفسية مواقف متنوعة ومتعدّدة وأفكار وآراء مختلفة ومتناقضة لأنها مرتبطة أولًا وآخرًا بالتيار السائد وبالموضة الـ «سيااجتصادية» الرّسمية في الواقع المحيط بها.

ثقافتنا… ثقافة أزمة أم أزمة ثقافة؟

لا يكفي أن ندّعي بوجود أزمة معينة تعانيها الثقافة العربية وحسب من قبيل الانسياق مع تيار درجت عليه بعض الأوساط الثقافية؛ إنما يجب النظر بتمعن وتدقيق في هذه الأزمة من حيث الظروف الموضوعية التي أنتجتها، العامة منها والخاصة على حدّ سواء، ومن حيث دوافعها ونتائجها والمعطيات التي عملت على خلقها.

فإذا كان واقع الوضع الراهن للثقافة العربية يفرض نفسه علينا بقساوة «بإيجابياته وسلبياته، وبظاهره وجوهره» فإنّه لمن الخطأ الكبير تبنّي النظرة المتمثلة بأنّ ثقافتنا في ألف خير، أو تبنّي النظرة المضادة المتمثلة بأن «ثقافتنا هي ثقافة الأزمة أو أزمة الثقافة وفقط»، لأن تبنّي إحدى النظرتين لن يعبر إلا عن رؤية قالبية أحادية للمسألة (Vision dogmatique).

وفي واقع الأمر ليست النظريتان المذكورتان – رغم تضادّهما الشكلي – سوى نظرة واحدة تعبر عن التهرب من مواجهة الأزمة التي تحيق بمجتمعاتنا وثقافتنا، لأن القول بعدم وجود أزمة أو بوجودها وكفى، لن يعبر عن موقف محدد وواضح تجاه الوضع الراهن للثقافة العربية.

من هذا المنطلق يمكنني أن أدعي بوجود أزمة حقيقية تعانيها ثقافتنا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمنتِجها «المجتمع» وتنعكس فيه في الوقت نفسه، بمعنى آخر: إن ما أريد التأكيد عليه هو أن إقامة شرخ فاصل بين الثقافة وبين منتجِها «المجتمع» سيؤدي بالضرورة إلى طريق مسدود في عملية اكتشاف جوانب المشكلة. فالمشكلة الأساسية لا تكمن في الثقافة كشكل من أشكال النشاط الاجتماعي الواعي، ولا في الفاعلين ضمن هذا النشاط «على نحو مستقل»، وإنما تتعلق بادئ بدء بسيرورة العمليات الاجتماعية الاطرادية (Le processus social) القائمة في المجتمع ككل، والمسؤولة عن إنتاج طريقة تفكير هذا المجتمع وطريقة تفكير الفرد كجزء من هذا المجتمع، مرتبط به ومتفاعل معه، ويشكل الوحدة الرئيسية المتكررة له في صيغ من العلاقات الاجتماعية (Les relations socials).

بمعنى أصرح: إن طريقة تفكير الفرد هي في النهاية نتاج لهذه السيرورة وبمعناها العام «سيرورة العمليات الاجتماعية – السياسية – الاقتصادية (Les processus socisl, politique et économique)» مهما امتلك هذا الفرد من أدوات ومعطيات ومهما أتاحت له الظروف من مقومات للخروج من هيمنة مجتمعه عليه. إلاّ أن الجدير بالذكر، تفاوت هذا التأثير من فرد إلى آخر تبعًا لتلك الأدوات والمعطيات والظروف. وبكلام مختصر: إن الأزمة التي تعيشها ثقافتنا هي في الحقيقية أزمة مجتمع شكلت دافعًا أساسيًّا لخلق ما يسمى بأزمة ثقافة الأزمة.[6]

من هنا أعود لأذكّر بأنني أعتقد أن المشكلة تكمن في طريقة تفكير مجتمعاتنا وفي ذهنيات هذه المجتمعات، وهذا ما ينعكس بوضوح على ثقافتنا بمجملها. وعلى هذا الأساس قمت بمحاولتي في تصنيف أولي لطرق التفكير السائدة والذهنيات الدّارجة في واقعنا؛ وفي الحقيقة إن ما قمت به لا ينسحب على رجالات الفكر والثقافة وحسب، وإنما ينسحب على شرائح مجتمعنا وطبقاته وفئاته «أفرادًا وجماعات» كافة، ومحاولة التصنيف هذه لا تهدف إلى تبسيط الأزمة واختصار أسبابها في سبب وحيد هو الذهنيات السائدة، ولكنّها عملية توضيحية تحليلية للسبب الأساسي والأوّلي لهذه الأزمة، وهي بذلك الخطوة الأولى والضرورية لمواجهة الحقيقة والواقع المعيشين.

إنّ الذهنيات المصنفة حاضرة فينا وبيننا، في لحظة ما أو في اللحظات جميعها، في مكان ما أو في الأمكنة جميعها، تظهر مفردة أو مجتمعة، دائمة عند البعض ومؤقتة عند البعض الآخر ومعدومة عند القليل. كل ذلك يدفعنا إلى طرح السؤال التالي: كيف ومتى يمكن لنا أن نجاوز الانجراف بها ومعها؟… سؤال جدير بنا أن نطرحه دائمًا وأبدًا، وأن نقوم بالمحاولة إثر المحاولة لتحديد الإجابة عليه وحصرها حتى نحقّق تفكيرًا مغايرًا ومتفوّقًا.

آدون المير

معماري وفنان تشكيلي وكاتب

هوامش

[6] إن العمليات الاطّرادية الـ «سيااجتصادية» في المجتمع لا يمكن أن تقاس من حيث الزمن بعمر الأفراد، وفي الواقع ليس من السهل تغيير تفكير المجتمع  بكامل مكوناته وفعالياته، ومن هنا ابتعدنا عن القيام ببحث هذه العمليات لكونها تحتاج إلى بحث مستقل بذاته، وآثرنا البحث في نواتج ومفرزات هذه العمليات في واقعنا الاجتماعي العربي.

  • اقرأ أيضًا:     الجزء الأول الجزء الثاني
  • نُشرت هذه الورقة في مجلة النهج الصادرة عن مركز الدراسات والأبحاث الاشتراكية في العالم العربي، العدد 7، ربيع / صيف 1996.

تعليق واحد على زمن الديناصورات!… الذهنيات السائدة: خضوع للتيار… وانسلاخ عن العصر! (الجزء الثالث)

  • avatar
    Comment by: جوليا

    الموضوع رائع وهادف اشكرك على المجهود الكبير الذي بذلته اثناء عمله انا شخصيا طالبه في ثالث ثانوي ادرس مادة المكتبه وطلب منا كتابة بحث واردت ان اكتب عن الديناصورات لان في كثير من الناس لا يعلمون حقيقتها والموضوع الي طرحته فادني كثيرااااااااا شكررااااااا جزيلا لك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *