عن قراءات

التواصل الاجتماعي

دعمك من أجل استمرارنا!

زمن الديناصورات!… الذهنيات السائدة: خضوع للتيار… وانسلاخ عن العصر! (الجزء الثاني)

1. الديناصور البوليسي «الشرطوي» (Le dinosaure policier)

تخضع كل المسائل عنده إلى سياق من التدبير الإجرامي مصاغ وفق تركيبة بوليسية تصلح لأن تكون محورًا لقصة بطلها أرسين لوبين ذكرًا لا حصرًا. عندها يغدو العقل أسيرًا لفكرة مسيطرة (Idée fixe) ولمعتقد وهمي (Imagination) قادرين على تحويل أبسط القضايا إلى عملية معقدة ولغز صعب الحل. لتنتقل النقاط الواضحة إلى توليفة شائكة من التوليفات المباحثاتية. ووقتها فمن الطبيعي أن يتحول العقل إلى آلية صارمة (Automatisme sévère) تظهر في بذل قصارى جهده للتقليب وإثارة الأسئلة التحقيقية التي تمهد الطريق له للإمساك بالخيط الأول من القضية كي يخرج بنتائجه «المتفردة الذكية» القادرة على إظهار «إبداعاته» في القبض على المجرم متلبسًا بأخطائه، وفي حلّ اللغز المفقود من خلال السعي الدؤوب والجهد المتفاني لقولبة «القفشات» والكمائن والمكائد الكاشفة في قالب تكتيكي خاص. لذلك لن يكون من المفاجئ أن نصادف أمام طريقة كهذه من التفكير، كلمات وتعابير من قبيل «تواطؤ / تدبير / تآمر / إجرام /خداع / قصة محبوكة / مسرحية كبرى / مخطط متفق عليه / مكائد ومشاورات / إلخ…».

من هنا نلحظ تعدد الأساليب وتنوعها للوصول إلى حل اللغز الإجرامي، وإلى كشف المؤامرات الكبرى، لتغدو القضايا جميعها ذات خلفيات إجرامية، مما يقتضي اتباع طرق متميزة في طرح الأسئلة الإرهابية التي تظهر من خلال العقلية المراوغة (La mentalité démagogique) المبنية على أساس سبق المقدمات بنتائجها قبل البدء في تفصيل هذه المقدمات وتحديدها.

2. الديناصور المؤامراتي «التواطئي» (Le dinosaure conspirateur «collusoire»): (الديناصور الخاضع للفكرة المسيطرة والمعتقد الوهمي المتمثّلين بالمؤامرة المدبّرة «المتفق عليها»)

تتبدّى الأحداث جميعها له جارية وفق مخطط ما أو مؤامرة ما حيكت وصيغت بالاتفاق والترتيب من قبل جهات معينة ضد جهات أخرى. هذا هو الإطار العام الذي تنبني وفقه العقلية المؤامراتية، وهنا لا ضرر من الاستناد على مبدأ «الكل ضدي (Tous, sont contre-moi)» الخاص بالديناصور التخويني أو الاتهامي الذي سيمر معنا لاحقًا. ومن هنا سيغدو من الطبيعي نسب الخيانة إلى الآخر من خلال استخدام عقلية مباحثاتية (مر معنا ذكرها)، تقدم مبررات يراها الديناصور المؤامراتي منطقية في اكتشاف المؤامرة الكبرى المحاكة ضده أو ضد وطنه أو ضد أمته. وبإخضاع الذهنيتين المؤامراتية والبوليسية إلى مستوى مقارنة نرى أن هناك تلازمًا بينهما من حيث الظاهر والجوهر، إذ تنبنيان على أساس واحد من العمليات العقلية (Les intellections)، وتتفقان في صيغهما الإطلاقية وفي الأحكام القَبْليّة (Les préjugés) وفي تقديم النتائج على المقدمات. وفق هذه الأوهام يظهر التفكير سطحيًا وزائفًا وديماغوجيًا (Démagogique)، قادرًا على تحريف الأسباب الحقيقية للمشكلة، لتظهر بذلك اليد المؤامراتية والمخططات السوداء وراء أتفه القضايا وأبسطها.

وفي مناخ كهذا ليس من المستغرب أن تكون المؤامرة الصهيونية الأميريكية الإمبريالية الاستعمارية وحدها وراء الوضع الراهن للعرب بتشعباته وتعقيداته كافة، وعليه لا يمكن أن نفاجأ إذا ما ادّعى أصحاب هذه العقلية أن سبب خسارة منتخب عربي كروي في مباراة ما، هو بالتأكيد المؤامرة الصهيونية ضد العرب، ولا يمكن أن نفاجأ أيضًا إذا ما أدرجت إحدى المجلات – بسبب نشرها مقالة لأحد الكتاب – فيما يحاك من مؤامرات صهيونية إمبريالية ضد العرب ووطنهم، وكما أرى على أقل تقدير فلن أفاجأ إذا ما ادّعى أحدهم أن هناك مؤامرة كبرى ومخطّطًا أسود وراء كل تفصيلة من تفاصيل همّه اليوميّ.[4]

عبر هذه الطريقة من التفكير ستصادف وتسمع عبارات مثل «مخطط أسود مرسوم للمنطقة / مؤامرة ضد العرب / تدبير إجرامي إمبريالي / مخطط صهيوني / المؤامرة الاستعمارية الكبرى / تواطؤ وخيانات / إلخ…».

3. الديناصور الضّدّي التخويني أو الاتّهامي (Le dinosaure contredisant ou accusatoire)

تعتمد العقلية الضدية «التخوينية» على مبدأ أساسي يتمثل في اعتبار الآخر «فردًا / جماعة / مجتمعًا / أمة / دولة / عالمًا» خصمًا في الخندق المقابل أي «ضدًا»، وعليه وانطلاقًا من قاعدة «الكل ضدي (Tous, sont contre-moi)» سيغدو الآخرون – على اختلاف مواقعهم ومواقفهم – خونة في نظر الخاضعين لسيطرة هذه العقلية. ولا تقف الاتهامات الموجهة إلى الآخر عند حدّ نسب الخيانة إليه، بل تتجاوزه إلى أقصى ما يمكنها لنجد الآخر عدوًّا يجب القضاء عليه، وخصمًا لا بدّ من الانتقام منه. ويتحوّل هذا الوضع الاستعدائي إلى مبرّرات مطلقة توفّر لأصحاب العقلية الضدّية راحة تامة وتصالحًا كاملًا مع الذات، بعد أن غاب الحسيب وذهب الرقيب، لتغدو ضوابط التصرّفات معدومة مما يجعل الحالة أكثر سهولة وأكبر كسبًا وأقلّ حسابًا للآخر.

وأرجو أن نتمعّن في المثال التوضيحي الآتي من مقابلة سجلها «إيال سيفال» في نيسان «أبريل» من 1990 مع البروفيسور الإسرائيلي إيشعياهو ليبوفيتش:[5]

– سيفان: يقول شار بالغ الانتشار في إسرائيل: العالم كلّه ضدّنا، لماذا؟

– ليبوفيتش: لأن هذا الوضع مريح جدًّا! لا شيء أكثر إراحة لإنسان من أن يقول إن الجميع أردياء، وإنه هو العادل. إن هذا لزهيد ومريح إلى أبعد حدّ. فيما ترى على مستوى الوقائع أنه ما من دولة دللها العالم أكثر من دولة إسرائيل (…) فالولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، اللذان كانا في عزّ الحرب الباردة، تمكنا مع ذلك من الاتفاق على إقامة دولة إسرائيل (…) هذا ما يسمى «العالم كله معنا». كانت تلك غلطة العرب الذين لم يفهموا أنهم بمعارضتهم قيام دولة إسرائيل، فإنما كانوا يقاتلون العالم بأسره. كان هذا جنونهم، وهذا اليوم جنوننا. إننا لا ندرك أننا نقاتل العالم كله، نعم، العالم كله اليوم إلى جانب العرب.

– سيفان: وإذًا، فإن شعار «العالم كله ضدّنا» يكشف في خاتمة المطاف عن واقعيته.

– ليبوفيتش: نعم، ولكنها وضعية تسببنا نحن بها،  لأننا، نحن، ضدّ العالم كلّه.. هل تدرك كم هذا مريح؟

– سيفان: لمن؟

– ليبوفيتش: لنا. هكذا نتفادى السؤال «ما أصبحنا؟»، و«ماعلينا أن نفعل؟». لا شيء أكثر إراحة من اختزال واقعنا بأكمله إلى ما ارتكبه بحقنا الآخرون. هكذا نحن في حلّ من كلّ مراجعة ضميريّة. من نحن، وما نستحق؟ ما يجب أن نفعل؟ ما هي القيم التي بها نعترف؟ نحن من تعرضنا لأشياء مرعبة، وهذا يعفينا من كل مسؤولية، هذه هي خلفيتنا النفسية الحالية.

يوضح ليبوفيتش طبيعة هذه العقلية ومقوماتها بشكل غير تصنيفي من خلال شرحه لحيثيات وانعكاسات شعار «العالم كله ضدنا» السائد في إسرائيل، إلا أن هذا الأسلوب من التفكير وبقدر ما يمكن سحبه على الدول والمجتمعات يمكن سحبه على الأفراد أيضًا.

في ظلّ هذه الأجواء العقلية ليس من «العجيب» أن نصادف شعارات شبيهة بالشعار الوارد في المثال من حيث المبدأ، رغم  أن هكذا شعارات قد تكون صادرة عن أطراف مختلفة ومتصارعة ومقتتلة تاريخيًّا، ويبدو لي أن المبدأ المذكور هو من المبادئ القليلة التي أثبتت استمراريتها حتى الآن من حيث تطبيقها على زمكنات مختلفة ومتعددة. عبر ذلك تنشأ هذه العقلية على جملة كبيرة من الاعتقادات الخاطئة والمبالغ فيها، تنبني على أفكار أساسية متمثلة بشعارات من قبيل «كل العالم ضدي / العالم ضد العرب / الخيانة العظمى / الآخرون سيئون ونحن الجيدون / إلخ…».

وهكذا، ومن خلال ما سبق فإن هناك احتمالًا كبيرًا لاتحاد العقلية التخوينية مع العقليتين المباحثاتية والمؤامراتية، يجعل ترابطها وثيقًا في علاقة حركية من الفعل ورد الفعل والتفاعل. كما أنها من الممكن أيضًا أن تتّحد مع العقليات الأخرى كالنرجسية (Narcissique) والعدائية (Inamicale) والاعتقالية (Concentrationnaire) والفصامية (Schizophrènique) وحتى الآيديولوجية (Idéologique) التي سنأتي على ذكرها لاحقًا.

4. الديناصور «العدائي التهجمي» (Le dinosaure inamical-agressif «offensif»)

تتضخم غريزة التعدي (Instinct d’agression) عنده على نحو لا مثيل له، ليصبح غير قادر على تحقيق توازنه النفسي دون الاستناد على عدوّ «ضدّ» حتّى لو كان هذا العدو مختلفًا وحتى لو كان فعل العدوان مختلفًا أيضًا، فالهمّ الأول والأخير له هو تحقيق فعل العداوة أو الفعل غير الودي (Acte d’agression). وبهذا نجده يحاول الوصول إلى غايته كيفما اتفق وبأية وسيلة كانت، ومن المؤكد أنه وقتها سيعتمد وفق المبدأ الماكيافيلي (Le Machiavélisme) «الغاية تبرّر الواسطة»، مما يؤدي به إلى أن يسلك دروبًا لا تخضع لأي معايير قيميّة أخلاقية، فتظهر عدائيته هدفًا نهائيًا ومطلقًا في سلوكه وذلك بوعي منه أو بغير وعي، ويظهر مزاجيًا وضيق الأفق وهجوميًا إلى أقصى درجة، دون رادع عقلي ولا رادع أخلاقي. وتهيّئ عقليته له كلّ المسوّغات والإمكانيات للقيام بأفعال مطلقة «غير مشروطة (Actes inconditionnels)»، ووقتها لا ضرر من اتباع جميع الأساليب الفضائحية وإثارة المسائل الشخصية واعتماد الطرق التشهيرية الاستفزازية بغية استعداء الآخرين وتحقيق الفعل العدائي.

 5. الديناصور الاعتقالي «الإرهابي» (Le dinosaure concentrationnaire «terroriste»)

لا يقف انبناء عقليته على انغلاقه وتقوقعه في عالمه الذهني الضيّق المبني على أساس أحادية الفكرة (Monoïdésime) فحسب، بل إنه يشمل تشدّدًا ونزقًا ومزاجًا آليًّا قاسيًا في القضايا كافة على اختلافها، وتجاه الآخر بغضّ النظر عن تعدّد هذا الآخر وتنوعه. تتبدّى الذهنية الاعتقالية مهيمنة عليه من حيث تفكيره وممارساته الحياتية التي تنعكس سلبيًّا على الآخرين من خلال تطرفية (Activisme) تسيطر على تكوينه العقلي والاجتماعي في النظرية والتطبيق على حدٍّ سواء.

إنه يخضع جميع المناخات الاجتماعية بمختلف أشكالها لمناخ قمعي قادر على «مسخ» الحالة الاجتماعية إلى حالة من التضاد مشحونة بأقصى ما يمكن من توتر، يساهم في تطويرها إلى عراك حام يمكن أن يقف عند المشاحنات الكلامية والتشنجات العقلية، إلا أنه في المقابل يمكن أن يصل في درجة متقدمة إلى عراك بدائي شرس وحتى «حيواني».

في النتيجة تقوم ذهنية الديناصور الاعتقالي على نزعة قمعية (Tendance répressive) تؤدي إلى تحويل الأجواء جميعها إلى أجواء إرهابية تكتم نفس الآخر، وتحرمه من حقه في أن يأخذ فرصته في «الحوار / إبداء الرأي / الجدال / مخالفة الرأي / القول / إلخ…»، فالديناصور الإرهابي ليس قادرًا على تقبّل الرأي الآخر، ولا احترام هذا الرأي. هو معتدّ بفكره الأحادي الضيّق والمطلق، وقانع قناعة تامة بصحة هذا الفكر، ولا يمكن له أن يستوعب رفض الآخرين أو معارضتهم لفكره. وهذا ما يدفعه إلى مواجهة أي رفض وية معارضة بعدائية لا مثيل لهما.

من هنا فإنه على صعيد الإفادة يستعمل أدوات – ويمارس سلوكيات – تخص كلًّا من الديناصورات: العدائي التهجمي (Inamical)، والنرجسي (Narcissique)، والسلطوي المخابراتي (Gouvernemental)، و في المقابل تقوم غالبية الديناصورات الأخرى باستعمال أدواته وممارسة سلوكياته، وهذا ما يؤكد لنا الترابط المتين والصلة الوثيقة بين جميع النماذج العقلية المصنّفة.

 6. الديناصور السلطوي «الحكومي/المخابراتي» (Le dinosaure gouvernemental ou informatif)

لسان السلطة وربيبها، المتحدث الرسمي وغير الرسمي وشبه الرسمي باسمها، ومحامي الدّفاع الأول والأخير عنها. يحصر جلّ اهتمامه في الترطيل بها ولها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ولا شكّ في أنه من المستفيدين جرّاء الذود عنها، عداك عن أنه ابنها المدلل بالتبني، الأمر الذي يؤمّن له الحماية التامّة من قبلها إزاء أي خطر أو تهديد يعترضانه، وفي الوقت نفسه يحقق له المكاسب المتعددة التي تتراوح بين حدّ أدنى وحدّ أقصى تبعًا لدرجة ومستوى العلاقة بين الأم والابن من حيث المصالح والمنافع المشتركة.

تلعب هذه العلاقة الدور الأساسي في تحديد الصيغة النهائيّة التي تتخذها ذهنية الابن الربيب، بغض النظر عن نوع «السلطة ـ الأم»، وعن طبيعة النظام الحاكم الذي يمسك بهذه السلطة. ولا بد من الإشارة إلى تفاوت درجة العلاقة المذكورة وتفاوت الظهور والغياب النسبيين للعقلية المخابراتية وفق نوع هذه السلطة أو تلك. بيد أن الديناصور السلطوي في الإطار العام يبقى خاضعًا لتأثير عقلية تخوينية «اتهامية» (Mentalité accusatoire) تعتمد معظم مناهج التفكير الأخرى «المباحثاتي / المؤامراتي / التهجّمي / الاعتقالي»، وهو بذلك لا يتوانى لحظة عن شنّ حملاته الهجومية على الآخر من خلال عقل تخويني يبتكر محيطًا امتحانيًا تحقيقيًّا للإيقاع بأضداد السلطة ومعارضيها أيًّا كانوا وكيفما كانوا وعلى اختلافهم آيديولوجيًّا أوسياسيًّا أواجتماعيًّا.

تندرج تحت العقليّة السلطوية – إضافة إلى الصنف المذكور سابقًا – أصناف أخرى تتحدد وفق معيارين: الأول: العلاقة بين السلطة «الأم» والدّيناصور «الابن»، والثاني: «الخطورة الكامنة وراء كلّ صنف». فإذ تقلّ الخطورة الكامنة عند الصّنف الأول، فإنّها تزيد في المقابل عند أصناف أخرى.لأن نوعًا من الغباوة متناسبة مع ماهية العقلية السلطوية، ينشأ عند «الابن – الربيب» إثر وصول العلاقة المعيارية إلى درجها القصوى، لتنتج بذلك علاقة تعاكسية بين الخطورة وبين علاقة «الأم – الابن». فوصول هذه الأخيرة «علاقة الأم – الابن» إلى أعلى مستوياتها سيؤدي إلى اكتشاف الآخرين للعقلية الخاصة بالابن من خلال بعض الممارسات التي يقوم بها كالظهور البطولي، والعمل من أجل الشهرة، والبحث عن النجومية، والاعتزاز بالقوة، والإعلان الدائم عن العلاقة بالسلطة، إلخ…

لنحاول الآن النظر إلى نتائج انخفاض العلاقة إلى مستويات أدنى، سنجد أنفسنا أمام  صنف آخر هو الديناصور السلطوي الخارج عن إطار رعاية السلطة أو «الديناصور السلطوي – المخابراتي – الذاتاني (Le dinosaure gouvernemental subjectiviste)». إثر ظروف موضوعية خارجة عن إرادته ومحيطة به، وإثر بنية نفسية ـ عقلية تحكمه، يغدو هذا الصنف وكيل السلطة وحامل لوائها ومحاميها المدافع عنها بجدارة، والذي وكّل نفسه بنفسه عنها دون حماية منها، ودون تحقيق مكاسب كتلك التي يحققها الصنف الأول ليتحول إلى عنصر خادم للسلطة مجانيًا وفي الأوقات والأماكن كافة، وهنا تكمن الخطورة من حيث صعوبة تحديده واكتشافه من قبل الآخر.

لا بدّ لي من التنويه إلى وجود صنف آخر «للديناصور السلطوي الذاتاني» وهو أكثر هذه الأصناف خطورة من حيث كثرته، وإمكانية تواجده في أي زمكنة، وقابليته للتحول إلى أي من الصنفين السابقين وقت توافر الشروط والظروف الملائمة لذلك، وأهمّ ما يميّزه هو تفاقم الحالة السلطوية عقليًّا ونفسيًّا عنده، لنجده متأثّرًا بشخصية السلطة وسلوكياتها إلى درجة يصاب عندها بحالة تقمّص لهذه الشخصية، فتهيمن عليه العقلية المخابراتية ويقع أسيرًا لها، وفق ذلك يبدأ بممارسة سلوكيات السلطة، ويتكلم بلغتها ويتمبدأ بمبادئها، ويقول بقولها وينظر بعينها، بمعنى آخر: نجد أنفسنا أمام السلطة وقد تجسدت «فعلًا وقولًا وعقلًا ونفسًا» بكائن يتحرك أمامنا ويمارس دورها بتفاصيله ودقائقه كلّها.

آدون المير

معماري وفنان تشكيلي وكاتب

هوامش

[4] ليس القصد هنا تمييع القضية وتبسيطها إلى حدّ إلغاء أي هدف صهيوني – إمبريالي في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي، وإنما أريد هنا أن أناقش التبسيط المعكوس إلى حدّ السذاجة المرضيّة، بمعنى آخر: أريد أن أوضّح الأخطاء الجسيمة والأوهام الخطيرة المبنية على أساس تعليق كلّ ما يصادفنا من ضوائق ومحن وحتّى من تافهات المسائل على «روزنامة» المؤامرة الصهيونية – الإمبريالية – الاستعمارية ضد الأمة العربية.

[5] إيشعياهو ليبوفيتش، «من الإنسانية إلى الحيوانية»، مجلة «الكرمل»، العدد 38/1990.

  • اقرأ أيضًا:     الجزء الثالث الجزء الأول
  • نُشرت هذه الورقة في مجلة النهج الصادرة عن مركز الدراسات والأبحاث الاشتراكية في العالم العربي، العدد 7، ربيع / صيف 1996.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *