عن قراءات

التواصل الاجتماعي

دعمك من أجل استمرارنا!

أصداء خرابٍ

ماذا نريد من النّواح إذا لم نكن نقصد إساءة استخدام الحزن؟

الصدى الأول

صيف هو صيف بلونه وخريف بطبعه، شجره أصابه وهن وموجة من شجن أهلكت أغصانه ويتمت أوراقه. في الأمس حلمت بأني هزمت الموت لأن الحياة أجمل من ألا تعاش. لقلبي نبض غريب وإيقاع ناشز. ليتني كنت حديدا حتى أصدأ من دون أن يجتاحني التفسخ العضوي وتأكلني ديدان الأرض. كم جحيم يحاصرني ليلعن أفكاري! وكم نبي يكفرني لأني لا أؤمن بأن العصي تستطيع أن تشق البحار أو تتحول إلى أفاع!… دموع خربتني على قدر ما خربتها حتى غدوت أنشج للأفراح وأبتهج للمآتم.

الصّدى الثّاني

الحبّ أوسع من «حقيقيّته»!

أحببتك، يا غريبة! من غير أن أعرفك أو تعرفيني، وكنت أجمل وأصفى من أن أحبّك، فتابعت رسم المشهد كعابر سبيلٍ، ومضيت… استوطنتني، فقرّرت أن أسرق فرحًا يزيح أصداء الخراب عن جدران وحدتي، وأصنع نظمـًا بيولوجيّةً أخرى للفراشات، كي تتمكّني من مواجهة الطّيور النّهمة، فتمتلكي السّماء… أحببتك كما لم أحب من قبل… أحببتك بلا أملٍ، فقد أتعب البرد قلبي، وأغنياتي لحّنت على نغمٍ خريفيٍّ، ولكنّي أكره البكاء والبؤس والنّواح، وصورتك كانت دافئةً، وأثرك نضرًا، فحملت لي أفقًا كنت فقدته…

أحببتك على نحوٍ بسيطٍ، بعيدًا عن أشعار العاشقين المبتذلة… أحببتك مثلما كنت في ناظريّ، من دون مراياك، لأنّك كنت أصدق من المرايا، فحميتني من رهبتي… أحببتك رغم غياب البنفسج عن ذاكرتي، فقد كنت بنفسجةً لي من غير أن أعرف…

أحببتك، يا غريبة!…

أحبّك، يا غريبة!…

الصّدى الثّالث

هذا اللّيل أبيض… ستائر مسدلةٌ باهتة اللّون خلفها جيرانٌ تشغلهم طقوسٌ «وحدهم» يعرفونها، وقبالتي منزلٌ قرميديّ اللّون أصحابه غريبوّ الأطوار، وأضواؤه خافتةٌ، وإطارات نوافذه بيضاء تفوح منها رائحة بحرٍ مضطربٍ. وحلٌ وشتاءٌ وطميٌ.. واجهات محلّاتٍ من الطّوب والحديد المطرّق – أخّاذةٌ! صيدليّةٌ من الصّفيح، ومطرٌ ونبيذٌ مذاقه قصديرٌ، وزجاجٌ «غبشٌ».. عطورٌ رخيصةٌ، ومركز بريدٍ مدخله رطبٌ، وزحامٌ.

لبيت مؤجّريّ المسنّين رائحة سمكٍ ودهونٍ وخلايا ميّتةٍ.. فرقٌ من الحريش العاضّ تغزو مكاني، ولا حول لي، لأنّي أمقت مملكتي الرّديئة، وأحسّ نفسي كنحلةٍ عاملةٍ، لم يكن لديها شيءٌ من قبل، وما لديها الآن أقلّ من لاشيءٍ، فالدّببة الجائعون كثرٌ وحمقى..

يا الله! خذني إلى غابةٍ من البارود، ودعنا نحلم بسكونٍ غير معلنٍ، فنمارس الحبّ في صمتٍ من دون أن تغتصبني.

الصّدى الرّابع

قد جاءت سنةٌ جديدةٌ، فهل تذكّرت أن أكتب وصيّتي؟

لا أحدٌ من أهلي أو أصدقائي يعرف أنّي على شفير الموت، وليس الموت ما يؤلمني، بل حزنهم عليّ، لأنّي أدرك كم يحبّونني رغم كلّ ما اقترفت من أخطاءٍ وحماقاتٍ بحقّهم.

قصرٌ حجريٌّ، وأربعة طوابق، وممرٌ عريضٌ معتمٌ، وصرير أبوابٍ.. ظلمةٌ أجزاؤها واضحةٌ.. وشوشاتٌ وأحاديث عن أحدٍ قد مات، وأنا أرقب كلّ شيءٍ..

كتبٌ وضجيجٌ بعيدٌ، وشارعٌ كحليٌّ، وشاخصاتٌ متآكلةٌ.. موقف باصٍ استفردت به الرّيح، ومقعدٌ خشبيٌّ لا أقارب له على مسنده قبّعةٌ صوفيّةٌ منسيّةٌ، وفي الطّرف المقابل كبينة هاتفٍ عموميٍّ محطّمة النّوافذ هجرها حتّى العابرون.. لوحاتٌ، وأغلفةٌ بلاستيكيّةٌ يضمّدها لاصقٌ بنّيٌّ وتغطّي سطحها طبقةٌ من النّيكوتين. سماسرةٌ ومحامون ورسوماتٌ صاحبها على فراش الموت، وعتمةٌ… نباتاتٌ وأعشابٌ تنمو على نحوٍ غريبٍ، ومستنقعٌ من مواضٍ مؤلمةٍ…

أمشي ناسيًا ساقيّ، فأرى منظرًا خلفيًّا لامرأةٍ شرق آسيويّةٍ – امرأةٌ تتبخّر في الحال، وتترك خلفها ليلًا بلا تفاصيل.

الصّدى الخامس

حبك ما زال يدفئ حتى الثلج، فكيف إذا كان الحديث عن قلبي!

خسرتك مرتين أو أكثر، فتعبت، وغادرت تحت سماء رمادية تغرق في سواد، تجاه سلام ختامي مع رغبتي التي مزقها البرد. كم أحب الليل والعتمة، كي لا أرى ولا أرى! أحب إلى حد الكراهية، فهناك دائما حيز واسع من الخوف عندما يفقد المرء من يحب، وحيز واسع من المتعة عندما يبكي المرء على من يحب.

تآكلت أطراف مرآتي وتفسخ سطحها حين اعترفت لها أخيرا بما ينتابني من رهبة، وكأنني أنتظر الموت – عيناي ليستا عيني، ولا قلبي، ويداي تيبستا، ولا أحد هناك كي أترك الدرب له!… جسد رفضني، فصرت ظلا في ظلام، وأضجرت كل من حولي وكل ما حولي، فهجرني الجميع حتى ربيعي الزائف، ولم أستطع الخلاص من مسعاي إلى مصادرة حرية من أحب، ولم أفهم أن الحب ما يزال شرط الحلم، وأن الحلم ما يزال شرط الحياة.

الصّدى السّادس

أردّد شعارات العدالة، وأنسى الجائعين، وأغضّ الطّرف عن الفقراء. أنادي بالمساواة وحرّيّة المرأة، وأعشق صور النّساء العاريات في المجلّات الملوّنة وعلى صفحات الإنترنت، وأجهد نفسي في إغواء حبيبات وزوجات أصحابي وأصدقائي. وهكذا تعلّمت كيف أكون «مثقّفًا» بامتيازٍ…

الصّدى السّابع

قد يكون أقصى السّعادة هو نجاح المرء في جلب السّعادة للآخرين، ولكن من حقّي أن أشعر أحيانًا أنّ الحياة لا تستحقّ أن تعاش رغم جمالها!

ليتني كنت أستطيع حفظ أحلامي على قرصٍ مضغوطٍ، فأستعيدها متى رغبت، وأمحو منها ما أشاء.. وليتني كنت أستطيع أن أضغط (ctrl+z) حتّى أصحّح أخطائي، وأنسى أنّي كنت عاشقًا فاشلًا، وأتعلّم من جديدٍ كيف أحبّ، وأتخلّص من التّفكير بالتّفاصيل المحيطة – بأنّي أكره الطّناجر وأوعية الطّهي ورائحة اللّحوم المسلوقة والقرنبيط، وأنّ جيراني لا يحبّون الثّعالب بل الكلاب والقطط، وأنّ صديقي الثّعلب المسكين يرتاد حديقة الدّار كلّ صباحٍ بلا جدوى، فما من دجاجاتٍ هناك.

الصّدى الثّامن

ليتني كنت وحيدًا مع الله كي أتحاور معه عن همّنا المشترك. كم أشفق عليك يا الله، أيّها الصّديق الخارج على إرادة الطّبيعة! أخطأت عندما تصوّرت أنّك قادرٌ على التّحكّم بما تخلق. إنّك تحبّ العدل ولا عدلٌ هناك، وتحبّ المساواة ولكنّ رسلك يخدعونك، وتريد الجمال ولكنّ بنيك يرون القباحة جمالًا. ولكثرة ما تعشق النّساء اخترت جميع أنبيائك رجالًا، لأنّك اعتقدت بأنّك تستطيع أن تملكهنّ بذلك! أخطأت يا الله… أخطأت يا صديق!

الصّدى التّاسع

كم ضوءٍ حولنا لا نريد ولا نحاول أن نراه! وكم نحن محافظون ونكره الجديد ونسيء فهم الحياة وحركتها! ننتج ونكافح منتجاتنا لأنّها أكثر ارتقاءً من قدرتنا على فهمها.

الصّدى العاشر

«شفرةٌ» وراثيّةٌ…

آدون المير

معماري وفنان تشكيلي وكاتب

2010

  • كُتب هذا النص في 2010 ولم يُنشر سابقاً.
  • النص في المتناول أيضًا كملف (PDF): أصداء خرابٍ (PDF 147 KB)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *